قصص قصيرة

مفاجآت القدر الجزء الثاني قصة قصيرة رائعة

مفاجآت القدر الجزء الثاني

لا يمكنك أن تعيش طوال الوقت تتخفى وراء قناع ، لا يمكنك أن تمثل أنك شخص أخر أمام الجميع دون أن تنكشف ، لابد وأن تجد شخصا لا يمكنك أن تتظاهر أمامه ، لا يمكنك أن تخفي حقيقتك ومشاعرك وآلمك وإحباطاتك أمامه ..

مفاجآت القدر الجزء الثاني

كانت هي هذا الشخص ، على الرغم من أنني قضيت أعوام طويلة أتجنب التورط في أي مشاعر حب مع أي امرأة إلا أنها تمكنت مني ، قد يكون السبب هو تلك القوة التي كانت دائمًا تبدو فيها ، حتى في أكثر أوقات ضعفها ، ربما يكون السبب هو شعوري بأنها تتحداني ولا تخشاني مثلما يفعل الجميع من حولي .

لا أنكر أنني تعمدت أن أعاملها بسوء ، لا أنكر أنني حاولت أكثر من مرة أن أظهر قوتي وتفوقي عليها ، ولكنها تمكنت من أن تهزمني في كل مرة .كنت أتظاهر أمام الجميع وأتعامل مع الجميع بتعالي وغرور ، لا أريد لأحد أن يعرف ضعفي أو يراني على حقيقتي .  كل محادثة بيننا كانت تنتهي بتحدي جديد ، بمحاولة كلًا منا أن يسبب الانزعاج للآخر. هذه المرة أيضًا حين استدعيتها في مكتبي ، وجلست أحاورها محاولًا استفزازها ، كادت أن تنهار ، ولكنها قبل أن تصل إلى هذا لم أستطع أنا الصمود ، اقتربت منها وضممتها إلى صدري وأخبرتها أنها غبية ولم تلحظ حبي.

على الرغم من أن قلقها كان يبدو جليًا على سرعة أنفاسها إلا أنها استسلمت لذراعي من حولها تمامًا ، كان شعورًا لا يوصف ، لا أذكر أنني شعرت بكل هذا القدر من السلام و الراحة في نفس الوقت من قبل .

ابتعدت عني وقد تلون وجهها بالأحمر ، لم تستطع النظر في وجهي وغادرت المكتب ، كانت مشاعري حينها تفيض سعادة ، في اليوم التالي حين أتت إلى العمل واجتمعت بالمستشارين جميعهم لم تنطق بكلمة واحدة ، لم تنظر إلى عيني مباشرة و الا مرة واحدة .

أنتهي الاجتماع وطلبت منها أن تبقي ، كانت كطفلة صغيرة ملائكية تقف أمامي ، لا تعرف ماذا تقول ، أو ماذا سأفعل ، طلبت منها أن تجلس ، فبدأت تتحدث بصوت خفيض لم أسمعها تستخدمه من قبل ، تحدثت عن اليوم السابق وأخبرتني أنها لا تقبل مثل هذه التصرفات ، وأنه لولا شعورها بالمسؤولية تجاه العمل لتقدمت باستقالتها ، لم أستطع تمالك ضحكاتي ، كانت تنظر لي باستغراب شديد ، اقتربت منها أكثر ، كانت تنظر إلى الأرض بخجل ، فجلست على قدم واحدة أمام عينيها مباشرة ، أمسكت بكلتا يديها بيدي وقلت لها ” ما رأيك أن نتزوج ؟”

تمت الخطبة وكان عدد الحضور محدود للغاية ، تغيب والدها ولم أرى أي أحد من أخوتها ، لم أرى سوى خالتها وزوجها وأبناءهم الثلاثة ، علمت منها أنها مرت بظروف صعبة وأن خالتها هي العائلة كلها بالنسبة لها ، لم أرد أن أتطرق طويلًا وأسألها عن والدها ، فكلًا منا له أسراره التي يحق له أن يخفيها وألا يتحدث عنها .

مرت ثلاثة شهور كاملة أتممنا فيها تجهيزات المنزل ، لم يكن منزلي بحاجة إلى الكثير من الأشياء ، فمنذ تركت منزل أسرتي وقررت العيش وحدي حرصت على أن يكون منزلي معدًا ومجهزًا لحياة بسيطة وممتعة لا ينقصني فيها شئ . في يوم زفافنا شعرت أن العالم كله بين يدي ، كنت أعد ألثوان حتى أختلي بها في منزلنا ، حتى أكلل عشقي لها وتصبح زوجتي أمام الجميع .

كنت أعلم أنها في غرفة الفندق المقابلة للغرفة التي كنت أرتدي فيها ملابسي ، طرق الباب فتصورت أنها هي أتت لتخبرني أنها تحبني كما تعودت منها في الأشهر الماضية ، لكن للأسف لم تكن هي ، كان شاب مراهق ومعه سيدة لم أعرفها للوهلة الأولى ، لكن بالتدقيق في وجهها عرفتها ، نعم إنها هي ، ذلك الكابوس الذي عاش سنوات ينغص علي حياتي ، ويبعدني عن كل من حولي .

نظرت إلي هذه السيدة بكل غرور وسخرية ” مبارك زواجك ، أتمني أن أهل العروس لم يفرضوك عليها كما فعل معي أهلي ” لم أستطع الرد بكلمة واحدة ، تركتني وذهبت ، عادت إلى أسوء ذكريات حياتي دفعة واحدة ، طرق الباب من جديد فوجدت أخي وأصدقائي أمام الباب يغنون ويمحون بسعادة ، حاولت أن أصفي ذهني وأنسى ما حدث ولكن الأمر كان أشبه بسحابة عملاقة تتحرك فوق رأسي أينما تحركت .

كنت حاول أثناء الزفاف أن أبدو سعيدًا وأن أتصرف بشكل طبيعي ، ولكن هي وحدها شعرت أن هناك خطب ما ، هناك خطأ ، سألتني أكثر من 10 مرات ماذا حدث ، لكنني كنت أهرب دائمًا من الإجابة ، كيف أخبرها ما حدث ؟ كيف أصارحها بالحقيقة كاملة ؟ هي لا تعرف إلا قشورًا منها ، كيف أخرج أسوء ما لدي كله في أجمل ليلة في عمرها وعمري .

حين وصلنا إلى منزلنا ، أسرعت هي تغير ملابسها ، وخرجت إلي بفستان أبيض رقيق وبحجاب صغير ، كان يبدو غريبًا عليها للغاية ولكنه جميل في نفس الوقت ، طلبت مني أن أغير ملابسي لنبدأ حياتنا بصلاة ليبارك الله لنا في علاقتنا وعمرنا ومنزلنا.

توجهت إلى الغرفة وحملت ملابسي ، بدأت أتخلص من البدلة والقميص ، وحينها بدأ يظهر جسدي ، بدأت تظهر تلك العلامات جيدًا ، بدأت أتحسسها وبدأت أشعر بالألم فيها من جديد ، كان المقربين مني يؤكدون لي أنها ليست واضحة كما أتخيل ، لكنني كنت مقتنع أنها واضحة وملفتة ، بل ومثيرة للاشمئزاز والحزن أيضًا .

بلعت ريقي بمرار وارتديت الملابس النظيفة وتوضأت وذهبت إليها لنصلي ، تعشينا وجلسنا سويًا نتحدث عما حدث في الزفاف و عن الأشخاص الذين حضروا ، أخبرتني أن والدها يعتقد أنها اختارت زوج جيد وسيسعدها ، روت لي القصة كاملة ، بكت قليلًا وارتمت بين ذراعي تبحث عن الأمان كثيرًا أثناء حديثها .

لم تكن تعلم أنه أنا من يحتاج إلى هذا الأمان ، لم تكن تعلم أنني لست فقط أبكي من الداخل ، بل أنزف ، فيبدو أن جروحي كلها ما زالت كما هي ، حتى وبعد سنوات من العلاج مع طبيب نفسي ، كنت أعتقد أنني تخلصت من الأمر نهائيًا ولكن يبدو أن كل شئ كما هو تمامًا .

ضممتها إلى صدري بقوة وأخبرتها أنني أريدها أن تبقي هكذا طوال الوقت ، قريبة ، لا تسمح لغيرها أن يقترب من هذه المساحة الآمنة التي تقع بينها وبينه ، نامت بين ذراعي ونمت أنا وأنا أحاول أن ألتمس فيها الأمان .

قصة قصيرة مفاجآت القدر
قصة قصيرة مفاجآت القدر

مرت الأيام ، سافرنا وعدنا ، انتهت الإجازة ولم أقترب منها ، كنت أشعر بالخجل كلما تصورت أنها سترى جسدي بكل ما فيه من جروح ، لقد حرصت منذ كنت صغيرًا على ألا يرى جسدي أي شخص ، كنت أشعر بألمها ، فقد أصبحت تشك في أنني لا أحبها بالشكل الكافي ، لم تعد تحاول التقرب مني ، لم تعد تحاول أن تلمح لي بأي شئ .

أعلم أنها تتألم ، وأنا أيضًا أموت في كل ليلة ، أموت لأنني لا أستطيع أن ألمسها ، أن أبرهن حبي وشوقي لها ولهفتي إلى جسدها الذي طالما تخيلته في أقرب مكان لي .

مر شهر كامل لم أمسها فيه كزوجة ، حتى جاء ذلك اليوم الذي وجدتها تبكي فيه فسألتها ما بها ، أنا أعلم أنه أنا السبب ولكن ماذا يمكن أن أفعل . تحدثت من بين دموعها ، اتهمتني أنني لا أحبها ، لا أريدها زوجة ، سألتني لماذا تزوجتها ، وأخيرًا طلبت مني الطلاق .

نزلت كلمة الطلاق على وجهي كالصفعة ، جريت إلى حيث تجلس ، نزلت عند قديمها ، احتضنتها بشدة ، أخبرتها أنه لا يمكنني الحياة بدونها ، لا معني لوجودي أو لحياتي أو لأي شئ أخر إن لم تكن هي حاضرة.

حاصرتني بالأسئلة ، لماذا لا تقترب مني ؟ لماذا تتهرب مني ؟ لماذا لم نصبح زوج وزوجة فعليًا حتى الآن ، حاولت التهرب من الإجابة ولكن دموعها أجبرتني على البوح ، أجبرتني على الاعتراف .طلبت منها أن تهدأ ، وأخبرتها القصة من البداية .

كان والد أبي -جدي- تاجر كبير ومعروف وله شريك وصديق يحبه ويقدره ، والدي هو الابن البكر لجدي ، الذي يعمل معه ويتوقع أن يستكمل مسيرته في العمل والتجارة ، أما شريكه فلم ينجب سوى بنات ، وكان أخوته يتمنون له الموت لكي يشاركوا بناته في الإرث ، فاقترح شريك جدي أن يزوج أحد بناته إلى والدي لأنه لن يطمئن لأي رجل أخر سوى لابن صديقه وشريكه.

تم الاختيار من أبي ، الذي أعجب بجمالها ، وأرغمها والدها على الزواج من أبي ، بعد عام واحد ومع استمرار المشكلات بينهم طلبت منه أن يطلقها ، استحالت الحياة بينهم ولم يستطع أبي الصمود أكثر رغم حبه لها ، طلقها وبعدها اكتشفت أنها حامل في شهرها الرابع ، أخبرتني مرارًا وتكرارًا أنها حاولت أن تجهض نفسها ولكنها فشلت وكأنني كنت متمسك بوجودي معها .

كانت تريد أن تتخلص مني لكي تتزوج الرجل الذي تحبه حتى من قبل زواجها من أبي ، رفض أبي أن يأخذني معه ، حتى حين تزوج رفض أن يأخذني معه رغم ألمه إلا أنه أعتقد أنني بحاجة إلى أمي في هذا السن الصغيرة ، لكن أمي التي من المفترض أن تكون الحضن والأمان بالنسبة لي كانت تعتبرني العقبة الأخيرة في طريق زواجها الجديد ، حرصت على إهانتي وتفننت في تعذيبي، خمسة أعوام كاملة كانت تنتقم مني في كل لحظة منهم ، لا تفوت فرصة يمكنها أن تسدد لي فيها إهانة أو تعذيب إلا وتستغلها.

رسمت على جسدي كرهها لي ولأبي ، وتركت لي جروح وحروق أثرت علي طوال سنوات عمري ، حرص أبي على زيارتي كل أسبوع ، أحيانًا كان يصطحب زوجته التي كانت أحن بمراحل علي من أمي الحقيقية ، حين بدأت في التكلم أخبرت والدي بلغة بسيطة ما يحدث معي ، فما كان منه إلا أن قرر حملي معه إلى منزلي ، لم تعترض والدتي فقد كان هذا ما تريده في الحقيقة .

منذ وصلت منزل والدي حرصت زوجته على معاملتي أفضل معاملة ، أجبرتني محبتها على أن أناديها ” أمي ” ، لم أشعر يومًا أنها تفرق بيني وبين أبنها الحقيقي ، حتى حين أنجبت شقيقتنا الصغرى استمر بحر حنانها واهتمامها بي ، كانت هي السند والدعم والمحبة الدائمة ، حاول والدي ومازال أن يعوضني عن كل الأمور السيئة التي مررت بها في حياتي .

قصة قصيرة مفاجآت القدر
قصة قصيرة مفاجآت القدر

أتذكر رتوش صغيرة من حياتي السابقة مع أمي ، ولكن أكثر ما يحزنني هو تلك الآثار من الجروح والحروق على جسدي ، فعلى الرغم من زوالها إلى حد كبير مع تقدمي في العمر إلا أنني ما زلت أخجل منها وأخجل أن يراها أي شخص . أخبر الجميع أن والدتي ماتت وأنني لا أعلم عنها شئ ،كنت أعتقد ذلك ، إلى أن جاء يوم الزفاف وجاءت بكل كبر وغرور تعيد فتح الجروح القديمة من جديد وكأنها تنتقم مني مرة أخرى.

اختلطت دموع عيني بدموعها وهي تحتضنني وتخبرني أن كلًا منا يكمل الآخر ، وأنها لا تهتم بأي شئ سوى أن تحقق لي السعادة ، لا تهتم لما حدث في الماضي ، كل ما يهمها هو مستقبلنا معًا ، غرقت بين ذراعيها ونسيت كل جروحي ، خلعت قميصي لأول مرة أمامها دون أن أشعر بالخجل ، وضعت أناملها على جسدي وكأنها تطيب جروحي وتمحوها من جسدي ، ذبت بين أصابعها وشعرت أنني رجل جديد .. رجل دون جروح أو ماضي ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق