قصص وعبر

قصة عمير بن وهب

اليوم بمشيئة الله عز وجل نستكمل قصص الأبطال وسيرة الأعلام وأسطورة بحق من الأساطير بطلنا فى هذه القصة قال فيه عمر بن الحطاب ( لقد غدا عمير بن وهب أحب إلى من بعض أبنائى ) مع الصحابى الجليل عمير بن وهب .

قصة عمير بن وهب
قصة عمير بن وهب

عادر عمير بن وهب الجمحى من بدر ناجيا بنفسه لكنه خلف ورائه ابنه ( وهبا ) أسيرا فى أيدى المسلمين ، وقد كان عمير يخشى أن يأخذ المسلمين الفتى بجريرة أبيه أى بذنب أبيه وأن يسوموه سوء العذاب جزاء ما كان يُنزل برسول الله من الأذى ولقاء ما كان يُلحق بأصحابه من النكال .

وفى ذات ضحى توجه عمير للطواف بالكعبة والتبرك بأصنامها فوجد صفوان بن أمية جالسا إلى جوار الحِجر فأقبل عليه صباحا وقال : عم صباحا يا سيد قريش ، فقال صفوان : عم صباحا يا أبا وهب إجلس نتحدث ساعة فإنما يقطع الوقت بالحديث ، فجلس عمر بإزاء صفوان بن أمية وطفق الرجلان يتذكران بدرا ومصابها العظيم ويعددان الأسرى الذين وقعوا فى أيدى محمد وأصحابه .

ويتفعجان على عظماء قريش ممن قتلهم سيوف المسلمين وغيبهم القليب فى أعماقه ، فتنهد صفوان بن أمية وقال : ليس والله فى العيش خير بعدهم ، فقال عمير : صدقت والله ، ثم سكت قليلا وقال : ورب الكعبة لولا ديون على ليس عند ما أقضيه بها وعيال أخشى عليهم الضياع من بعدى لمضيت إلى محمد وقتلته وحسمت أمره وكففت شره ، ثم أتبع يقول بصوت بخافت : وإن فى وجود ابنى وهب لديهم ما يجعل ذهابى إلى يثرب أمرا لا يثير الشبهات .

اغتنم صفوان بن أمية كلام عمير بن وهب ، ولم يشأ أن يفوت هذه الفرصة ، فالتفت إليه وقال : يا عمير اجعل دينك كله على فأنا أقضيه عنك مهما بلغ ، وأما عيالك فأسضمهم إلى عيالى ما امتدت بى وبهم الحياة ، وإن فى مالى من الكثرة ما يسعهم جميعا ويكفل لهم العيش الرغيد ، فقال عمير : إذن ، اكتم حديثنا هذا ولا تطلع عليه أحد ، فقال صفوان : لك ذلك .

قام عمير من المسجد ونيران الحقد تتأجج فى فؤاده على محمد صلى الله عليه وسلم ، وطفق يعد العدة لإنفاذ ما عزم عليه فما كان يخشى ارتياب أحد فى سفره ، ذلك لأن ذوى الأسرى من القرشيين كانوا يترددون على يثرب سعيا وراء افتداء أسراهم ، أمر عمير بن وهب بسيفه فشحد وسقى سما ، ودعا براحلته فأعدت وقدمت له فامتطى متنها ويمم وجهه شطر المدينة وملء برديه الضغينة والشر .

بلغ عمير المدينة ومضى نحو المسجد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غدا قريبا من بابه أناخ راحلته ونزل عنها ، كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذ ذاك جالسا مع بعض الصحابة قريبا من باب المسجد يتذاكرون بدرا وما خلفته ورائه من أسرى قريش وقتلاهم ويستعيدون صور بطولات المسلمين من المهاجرين والأنصار ويذكرون ما أكرمهم الله به من النصر وما أراهم فى عدوهم من النكاية والخذلان .

فحانت من عمر التفاتة ، فرأى عمير بن وهب ينزل عن راحلته ويمضى نحو المسجد متوحشا سيفه فهب مذعورا وقال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب والله ما جاء إلا شر ، لقد ألب المشركين علينا فى مكة وكان عينا لهم علينا قبيل بدر ثم قال لجلسائه : امضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكونوا حوله واحذروا أن يغدر به هذا الخبيث الماكر .

ثم بادر عمر إلى النبى عليه الصلاة والسلام وقال : يارسول الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوحشا سيفه ، وما أظنه إلا يريد شرا ، فقال عليه السلام : ( أدخله على ) ، فأقبل الفاروق على عمير بن وهب وأخذ بتلابيبه وطوق عنقه بحمالة سيفه ومضى به نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلما رآه النبى عليه الصلاة والسلام على هذه الحالة قال لعمر : أطلقه يا عمر فأطلقه ثم قال : ادن يا عمير فدنا وقال : أنعم صبحا ( وهى تحية العرب فى الجاهلية ) فال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، لقد أكرمنا الله بالسلام وهى تحية أهل الجنة ) فقال عمير : والله ما أنت ببعيد من تحيتنا وإنك بها لحديث عهد .

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : ( وما الذى جاء بك يا عمير ؟! ) قال : جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا إلى فيه ، قال : فما بال السيف الذى فى عنقك ؟ قال عمير : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر ؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( اصدقنى ، ما الذى جئت له يا عمير؟ ) قال : ما جئت إلا لذاك .

قال عليه السلام : ( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية عند الحِجر فتذاكرتما أصحاب ” القليب ” من صرعى قريش ثم قلت : لولا دين على وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمد فتحمل لك صفوان بن أمية دينك وعيالك على أن تقتلنى والله حائل بينك وبين ذلك ) .

فذهل عمير لحظة ثم ما لبث أن قال : أشهد إنك لرسول الله ، ثم أردف يقول : لقد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتبنا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى لكن خبرى مع صفوان بن أمية لم يعلم به أحد إلا أنا وهو ، ووالله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذى ساقنى إليك سوقا ليهدينى إلى الإسلام ، ثم شهد أن لا إله الله وأن محمد رسول الله ، وأسلم ، فقال عليه السلام : فقهوا أخاكم فى دينه وعلموه القرآن وأطلقوا أسيره ).

فرح المسلمون بإسلام عمير بن وهب أشد الفرح حتى إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : لخنزير كان أحب إلى من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو اليوم أحب إلى من بعض أبنائى .

وفيكا كان عمير يزكى نفسه بتعاليم الإسلام ويترع فؤاده بنور القرآن ويحيا أروع حياته وأغناها مما أنساه مكة ومن فى مكة ، كان صفوان بن أمية يمنى نفسه الأمانى ويمر بأندية قريش فيقول : أبشروا بنبأ عظيم يأتيكم قريبا فينسيكم وقعة بدر ثم إنه لما طال الإنتظار على صفوان بن أمية أخذ القلق يتسرب إله شيئا فشيئا .

حتى غدا يتقلب على أشد من الجمر وطفق يسائل الركبان عن عمير بن وهب فلا يجد عند أحد جوابا يشفيه إلى أن جائه راكب فقال : إن عمير قد أسلم ، فنزل عليه الخبر نزول الصاعقة ، إذ كان يظن أن عمير بن وهب لا يسلم ولو أسلم جميع من على ظهر الأرض .

أما عمير بن وهب فإنه ما كاد يتفقه فى دينه  ويحفظ ما تيسر له من كلام ربه حتى جاء إلى النبى عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله لقد غبر على زمان وأنا دائب على إطفاء نور الله شديد الأذى على من كان على دين الإسلام وأنا أحب أن تأذن لى أن أقدم على مكة لأدعو قريشا إلى الله ورسوله ، فإن قبلوا منى فنعم ما فعلوا وإن أعرضوا عنى آذيتهم فى دينهم كما كنت أؤذى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام ، فوافى مكة وأتى بيت صفوان بن أمية وقال : يا صفوان إنك لسيد من أسياد مكة وعاقل من عقلاء قريش أفترى أن هذا الذى أنتم عليه من عبادة الأحجار والذبح لها يصح فى العقل أن يكون دينا ، أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله .

ثم طفق عمير يدعو إلى الله فى مكة حتى أسلم على يديه خلق كثير ، أجزل الله مثوبة عمير بن وهب ونور له فى قبره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق