قصص طويلة

قصة الأرملة السوداء .. الجزء الأول

قصة الأرملة السوداء

هل سبق وسمعتم عن نوع من العناكب اسمه العلمي Latrodectus mactans ؟ أراهن أن أغلبكم لم يسمع من قبل عنها ، حسنًا ؛ يطلقون عليها ” الأرملة السوداء ” لأنها من العناكب السامة والتي غالبًا ما تقتل شريكها الذكر بعد إتمام عملية التزاوج . أعلم أن البعض يعتبرونها مصدر شؤم وسبه ولكنني في الحقيقة أعتبرها بطلة .. فهي ليست مجبرة على قضاء عمرها القصير مع شريك لا فائدة منه !!

قصة الأرملة السوداء

دعوني أخبركم قصتي من البداية .. ولدت في أسرة متواضعة للغاية ، لوالد يعمل في متجر لبيع المواد الغذائية ، تعرضت والدتي لمضاعفات خطرة عقب أن أنجبتني ولم ترزق بأي أطفال أخرين ، ففي كل مرة تحاول أن تحمل بطفل جديد يموت في رحمها ، ولم يكن أبي يمتلك ما يكفي من المال للذهاب إلى الأطباء ، فاكتفت أمي بالوصفات الطبيعية والأعشاب التي تأتي بها من تجار العطارة ، لكن الأمر لم يفلح يومًا .. كان أبي يهددها بالزواج من غيرها ، أمرأة أخرى يمكنها أن تنجب ، فهو لا ذنب له فيما يحدث معها ، إلا أن ضيق الحال كان السبب الوحيد الذي منعه من الزواج مرة ثانية.

كبرت مع أم لا تفكر إلا في الإنجاب مرة أخرى لتحتفظ بزوجها ، وأب لا يفكر في أي شئ سوى لعن الظروف التي حرمته من أن يكون أبًا للعديد من الأبناء ، علمت منذ الصغر أن مستقبلي رهن مجهودي وحدي ، وأن لا أحد منهم سيلتفت لي أو يساندني ، لذا كنت أستذكر دروسي بنفسي ، وكنت أحصل دائمًا على أعلى المعدلات ، وحتى في المرحلة الثانوية ، تمكنت وحدي أن أحقق علامات تدخلني كلية العلوم.

كان الجميع يشهد أنني طفلة جميلة ، فقد حظيت بشعر أسود وعيون سوداء ، وبشرة بيضاء وجسد مستدير يلفت انتباه كل من يراه . منذ بدأت ملامحي في التغير وعبرت مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة كنت أشعر أن أبي دائم الانزعاج مني ، يطالبني دائما أن أرتدي ملابس فضفاضة وأن أرتدي الحجاب ، وتحول الأمر من طلب إلى أمر فور أن وصلت إلى المرحلة الثانوية ، رضخت لمطالب أبي ، والتزمت بارتداء الحجاب .

كان أبي متدين متزمت ، لا يفوت فرضًا واحدًا في المسجد ، يطيل اللحية ويقصر البنطال ، لكنه حين يأتي المساء يأتي إلى غرفتي ، يتحسس جسدي بأصابعه ، أسمع تأوهاته الخافتة ، وأدرك تمامًا ماذا يفعل ، كنت أنتظره ليعود إلى غرفته ويغط في النوم حتى أتوجه انفجر في البكاء ،وفي اليوم التالي يمر بنظراته على جسدي وكأنه يتفحصني ، كنت أكره جسدي الذي كانت تحسدني عليه الفتيات ، كنت أشعر دائمًا أنني عارية أمامه ، وكأنني أنا المذنبة.

حاولت أن أبتعد عن المنزل قدر المستطاع فوجدت عمل في أحد المعامل القريبة من المنزل ، كنت أقضي أغلب وقتي هناك بين العمل والاستذكار ، على الرغم من كل الأسى الذي أشعر به في الليل ، إلا أنني في هذه الفترة تعرفت إلى أكثر شخص أسعدني في العالم ، كان يكبرني بعامين ويعمل معي في نفس المكان ، كان يساعدني إذا ما مرت بي معلومة مستعصية ، كان ينظر إلى دائمًا بحب ، حين تخرج تقدم لخطبتي ، ولكنه رفض ، لأنه مازال في بداية الطريق وأبي ” ليس مستعد أن يلقي بي بين فكي الفقر من جديد ”

كنت أشعر بحقد كبير تجاه أبي ، كيف له أن يظلمني هكذا ، كيف له أن يفعل هذا بي ، أسئلة كثيرة كنت أرددها على نفسي ، حتى بعد أن قررت مصارحة أمي بما يفعل كل ليله ، طلبت مني أن أسكت ولا أنطق بأي كلمة أخرى ، أتهمتني بالكذب وهي تعلم تمامًا أنني لا أكذب ، هي تعلم أنني صادقة ، لكنها تحب زوجها أكثر مما تحبني .

مرت الشهور بطيئة بعد أن رفض أبي أن يستمر عملي في نفس المعمل ، بدأ البحث بنفسه عن مكان أخر لكي أعمل فيه ، وبالفعل وجد معمل أخر وترجى صاحب المعمل أن يقبلني للعمل لديه .

منذ اليوم الأول كنت ألحظ نظراته صاحب المعمل الجديد لي ، كنت أرى الشهوة تملئ عينه كلما مررت من أمامه ، بعد أقل من شهرين أخبرني والدي أن صاحب المعمل الذي يكبرني بـ22 عامًا يريد الزواج مني ، لم يكن لي رأي في الأمر ، فقد كان يخبرني من باب العلم بالشيء وليس لأنه يسألني رأيي.

تزوجنا ، كانت أسوء أيام حياتي على الإطلاق ، لكن على الرغم من كل السوء الذي كنت أشعر به إلا أنني فرحت ببعدي عن كل القرف الذي كنت أعيشه يوميًا في منزل والدي ، تخلصت من نظراته ولمساته ، تخلصت من شعوري بالذنب رغم ضعفي وقلة حيلتي .

كنت أتذكر الحب الذي ابتعد عني بأمر والدي ، كنت أشعر أنني أحن إليه ، فأبحث عن اسمه بين صفحات التواصل الاجتماعي علني أراه ، علمت أنه سيتزوج فبكيت ولكنني تذكرت أنني من بدأ ولابد أن أترك الموضوع من عقلي وقلبي إلى الأبد. لكنني لم أستطع ، توقفت عن مراقبته وتتبعه ولكنني لم أتوقف عن تذكر اللحظات السعيدة القليلة التي قضيناها سويًا .

الارملة السوداء
الارملة السوداء

أكتر ما كان يؤلمني في هذه الأيام هو زوجي ، زوجي الذي قرر أن يعيد شبابه من جديد معي ، حين يقترب مني أشعر أن جسدي كله يؤلمني ، أشواك تغرس في جلدي حين يلمسني ، أشعر بالتقزز حين يقبلني أو يطلبني في علاقة حميمة ، كنت أغمض عيني حتى ينتهي ، ولم يكن يطيل الأمر ، وفي كل مرة كنت أتوجه إلى المرحاض وأفرغ محتويات معدتي كلها من شدة ما أشعر به من اشمئزاز .

أستمر الزواج عامين من العذاب المتواصل ، لم يكن زوجي غبيًا ، فقد كان طبيب ورجل أعمال ناجح ومعروف ولاحظ ما يحدث معي ، تجادلنا أكثر من مرة وفي أحد المرات صفعني على وجهي ، توجهت مباشرة إلى منزل أبي ، حقيقة الأمر أنه استقبلني أفضل استقبال ، حتى أنني تعجبت فقد توقعت ألا يقبل بدخولي إلى المنزل كي لا يغضب الرجل الذي ينفق على المنزل ،فقد أعتاد زوجي أن يعطي والدي راتبًا شهريًا كبيرًا .

دخلت إلى سرير محاولة نسيان كل ما كان يحدث في الماضي ، ولكن يبدو أن أبي لم يكتف بكل ما كان يفعله معي فيما مضى ، ولم يكتفي ببيعي لرجل يقترب منه في العمر ، فقد قرر الآن أن يتذوقني هو ، أن يجرب أن يستكمل ما لم يكن يستطيع فعله في الماضي ، نهضت منتفضة ونهرت وخرجت من منزله أجري لا أدري إلى أين أذهب ، فتوجهت من جديد إلى منزل الزوجية ، حمدت الله كثيرًا أن زوجي لم يكن موجود حينها بالمنزل ، فتوجهت إلى غرفة النوم ورحت في نوم عميق ، لكنني قبل أن أنام أقسمت أن أتخلص من كل ما يؤلمني ويؤذيني ويستغل ضعفي وقلة حيلتي .

في اليوم التالي هاتفت زوجي واعتذرت منه وطلبت منه أن يعود إلى المنزل ، أخبرته أنني أشعر بالضيق وأن ما يحدث معي نتيجة لشعوري بالملل ، فقد أعتدت أن أعمل والآن أنا لا أفعل أي شئ سوى الجلوس وحدي في المنزل ، ففهم ما أود قوله وأخبرني أنه سيجعلني مديرًا لأقرب فرع من فروع المعمل إلى المنزل . بالفعل في غضون أسبوع بدأت العمل ، وبدأت الخطة تختمر بداخلي .

كنت أتدلل عليه ، أغريه ، أثيره كرجل ، أتخيل حبيبي القديم وهو معي كي لا أصاب بالقرف والغثيان ، شعر أنني أتغير وبدأ يستدير كخاتم في أصبعي ، طلبت منه أن يكتب لي أحد فروع المعمل بيع وشراء ، كان مترددًا في البداية ، لكنني أمتلك من مقومات الأنثى ما أقنعه وجعله يخضع لي ، ليس هذا فحسب بل أنه وضع مبلغ مالي كبير باسمي في أحد البنوك كهدية لعيد زواجنا الثالث .

في نفس الوقت كنت أحاول أن أحسن العلاقات مرة أخرى مع أمي ، خطوة تلو خطوة ، ومكالمة تلو مكالمة حتى أخبرت أمي أنني أريد أن أتناول معها ومع أبي الغداء ، بالفعل ذهبت إلى هناك محملة بالهدايا والأطعمة ، وبين أحد الحقائب كانت هناك مربى الفراولة التي أعلم أن أبي يعشقها ، وأن أمي لا تتناولها لأنها تسبب لها الحساسية ، وفي هذا الوعاء الجميل وضعت لأبي جرعة كبيرة من أحد المركبات الكيميائية التي لا أفضل أن أخبركم اسمه والتي قضت عليه في غضون أربع ساعات فقط . والتي تتميز بأنها لا تظهر أي أعراض ويبدو القتيل كأنه أصيب بذبحة صدرية عادية.

قتلته ، نعم قتلت أبي ، وإن أتيحت لي الفرصة مرة أخرى سأقتله ثانية ، أبي مجرم ويستحق العقاب … أتصلت والدتي بي بعد الثانية عشر ليلًا تبكي وتخبرني أن أبي لا يتنفس ، هرعت فزعة أنا وزوجي وأحضرنا طبيبا معنا ، ولكن للأسف كان الوقت قد فات ، كنت أبكي وأقبل يده وأرجوه أن يعود من جديد ، كي لا يلحظ أي أحد أي شئ . وأثناء توافد المعزين تسللت إلى المطبخ وأخرجت عبوة المربي ودخلت بها إلى المرحاض لألقي بها كلها بداخلة ومن ثم أضع العبوة فارغة في حقيبتي ، وأثناء توجهنا إلى المقابر تخلصت من العبوة في أحد صناديق القمامة ، ولم يلحظ أي أحد أي شئ .

عدت إلى منزلي أرتدي الأسود ، يواسيني زوجي الذي لا يقل كرهي له عن كرهي لوالدي القتيل ، ولا كرهي لوالدتي التي تركتني أعوام أعاني وهي تعلم تمامًا ما أمر به كل ليله ، ها هي أيضًا حصلت على العقاب الذي تستحق ، سوف أتركها تبكي زوجها الحبيب وحدها ، سوف أتركها تعاني وتتألم مثلما تركتني أعاني وأتألم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق