قصص وعبر

قصة أبو ذر الغفارى

اليوم بمشيئة الله تعالى نستكمل معكم قصص الأخيار الأبرار الأطهار مع رجل عرف الحق وسمع بنداء الحق فاستجاب سريعا وكان من السابقين فى الإسلام ، وكان أول من حيا النبى صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام مع الصحابى الجليل أبو ذر الغفارى رضى الله عنه .

قصة أبو ذر الغفارى
قصة أبو ذر الغفارى

في وادي (ودان) الذي يصل مكة بالعالم الخارجي كانت تنزل قبيلة (غفار) ، وكانت (غفار) تعيش من ذلك النزر اليسير الذي تبذله لها القوافل التي تسعى بتجارة قريش ذاهبة إلى بلاد الشام أو آتيه منها وربما عاشت من قطع الطريق على هذه القوافل إذا هي لم تعطها مايرضيها .

وكان (جندب بن جناده) المكني بأبي ذر واحدا من أبناء هذه القبيلة لكنه كان يمتاز منهم بجرأة القلب ورجاحة العقل وبُعد النظر وبأنه كان يضيق أشد الضيق بهذه الأوثان التي يعبدها قومه من دون الله ويستنكر ما وجد عليه العرب من فساد الدين وتفاهة المعتقد ويتطلع إلى ظهور نبي جديد يملأ على الناس عقولهم وأفئدتهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور .

ثم تناهت إلى أبي ذر وهو في باديته أخبار النبي الجديد الذي ظهر في مكة ، فقال لأخيه (أَنِيس) انطلق لا أبا لك إلى مكة وقِف على أخبار هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي وأنه يأتيه وحي من السماء واسمع شيئا من قوله واحمله إلي ، ذهب (أنيس) إلى مكة والتقى بالرسول صلوات الله عليه وسلامه ، وسمع منه ، ثم عاد إلى البادية .

فتلقاه أبو ذر في لهفة وسأله عن أخبار النبي الجديد في شغف ، فقال : لقد رأيت والله رجلا يدعو إلى مكارم الأخلاق ، ويقول كلاما ماهو بالشعر قال له : وماذا يقول الناس فيه ؟ فقال : يقولون : إنه ساحر وكاهن وشاعر ، فقال أبو ذر : والله ماشفيت لي غليلا ولا قضيت لي حاجة ، فهل أنت كافٍ عيالي حتى أنطلق فأنظر في أمره ؟ فقال : نعم ، ولكن كُن من أهلِ مكة على حذر .

تزود أبو ذر لنفسه وحمل معه قربة ماءٍ صغيرة واتجه من غَده إلى مكة يريد لقاء النبي صلى الله عليه وسلم و الوقوف على خبره بنفسه ، بلغ ابو ذر مكة وهو متوجس خيفة من أهلها فقد تناهت إليه أخبار غضبة قريش لآلهتهم وتنكيلهم بكل من تحدثه نفسه باتباع محمدٍ لذا كره أن يسأل أحداً عن محمدٍ لأنه ما كان يدري أيكون هذا المسؤل من شيعته (أنصاره) أم من عدوه .

ولما أقبل الليل اضطجع في المسجد فمر به علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فعرف أنه غريب ، فقال : هلُمّ إلينا أيها الرجل فمضى معه وبات ليلته عنده وفي الصباح حمل قربته ومزوده وعاد إلى المسجد دون أن يسأل أحدٌ منهما صاحبه عن شئ ، ثم قضى أبو ذر يومه الثاني دون أن يتعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

فلما أمسى أخذ مضجعه من المسجد ، فمر به علي رضي الله عنه ، فقال له : أما آن للرجل أن يعرف منزله ، ثم اصطحبه فبات عنده ليلته الثانيه ، ولم يسأل أحدٌ منهم صاحبه عن شيئ فلما كانت الليلة الثالثة قال علي لصاحبه : ألا تحدثني عما أقدمك إلي مكة ، فقال أبو ذر : إن أعطيتني ميثاقا أن ترشدني إلى ما أطلب فعلت ، فأعطاه علي ما أراد من ميثاق فقال أبو ذر : لقد قصدت مكة من أماكن بعيدة أبتغي لقاء النبي الجديد وسماع شيئٍ مما يقوله .

فانفرجت أسارير علي رضي الله عنه وقال : والله إنه لرسول الله حقا  (وإنه ، وإنه) فإذا أصبحنا فاتبعني حيثما سرت ، فإن رأيت شيئا أخافه عليك وقفت وكأني أريق الماء فإذا مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ، لم يقر لأبي ذر مضجع طوال ليلته شوقا إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ولهفة إلى استماع شيئ مما يوحى به إليه .

وفي الصباح مضى علي بضيفه إلى بيت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومضى أبو ذر وراءه يقفوه (يتبعه ويمشي على أثره) وهو لايلوي على شيئ (لا يلتفت إلى شيء) حتى دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو ذر : السلام عليك يا رسول الله فقال الرسول : وعليك سلامُ اللهِ ورحمته وبركاته ، فكان أبو ذر أول من حيا الرسول صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام .

ثم شاعت وعمت بعد ذلك ، أقبل الرسول صلوات الله عليه على أبي ذر يدعوه للإسلام ويقرأ عليه القرآن ، فما لبث أن أعلن كلمة الحق ودخل في الدين الجديد قبل أن يبرح مكانه ، فكان رابع ثلاثةِ أسلموا أو خامس أربعة ، ولنترك الكلام لأبي ذر ليقص علينا بنفسه بقية خبره .

قال : أقمت بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فعلمني الإسلام وأقرأني شيئاً من القرآن ، ثم قال لي : ( لاتخبر بإسلامك أحدا في مكة ، فإني أخاف عليك أن يقتلوك ) فقلت : والذي نفسي بيده لا أبرح مكة حتى آتي المسجد و أصرخ بدعوة الحق بين ظهراني قريش فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم .

فجئت المسجد وقريش جلوس يتحدثون ، فتوسطتهم وناديت بأعلى صوتي : يامعشر قريشٍ ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فما كادت كلماتي تلامس آذان القوم حتى ذعروا جميعا وهبوا من مجالسهم .، وقالوا : عليكم بهذا الصابئ ( الخارج من دينه ) .

وقاموا إلي جميعا يضربونني لأموت فأدركني العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأكب علي ليحيمني منهم ثم أقبل عليهم وقال : ويلكم أتقتلون رجلا من (غفار) وممر قوافلكم عليهم فأقلعوا عني ولما أفقت جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى مابي قال : (ألم أنهك عن إعلان اسلامك) فقلت : يارسول الله ، كانت حاجة في نفسي فقضيتها .

فقال : الحق بقومك وخبّرهم بما رأيت وماسمعت وادعهم إلى الله لعل الله أن ينفعهم بك ويؤجرك فيهم ، فإذا بلغك أني ظهرت فتعال إلي قال أبو ذر : فانطلقت حتى أتيت منازل قومي فلقيني أخي أنيس فقال : ماصنعت ؟ قلت : صنعت أني أسلمت وصدّقت فما لبث أن شرح الله صدره وقال : مالي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت أيضا ثم أتينا أمنا فدعوناها إلى الإسلام فقالت : مالي رغبة عن دينكما وأسلمت أيضا .

ومنذ ذلك اليوم انطلقت الأسرة المؤمنة تدعوا إلى الله في (غفار) لاتكل عن ذلك ولاتمل منه حتى أسلم من غفار خلق كثير وأقيمت الصلاة فيهم وقال فريق منهم : نبقى على ديننا حتى إذا قدم الرسول المدينة أسلمنا ، فلما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينه أسلموا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( غِـفَارٌ غَفَرَ الله لها ، وأَسَلمُ سَالمَهَا الله ) .

أقام أبو ذر في باديته حتى مضت (بدر) و (أحد) و (الخندق) ثم قدم على المدينة وانقطع (خصص نفسه لصحبته) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنه في أن يقوم على خدمته فأذن له ونعم بصحبته وسعد بخدمته وظل رسول الله صلوات الله عليه يؤثره ويكرمه ، فما لقيه مرةً إلا صافحه وهش في وجه وبش (ابتسم له وأظهر السرور للقائه ) ولما لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى لم يطق أبو ذر صبرا على الإقامة في المدينة المنورة بعد أن خلت من سيدها وأقفرت من هدي مجالسه ، فرحل إلى بادية الشام وأقام فيها مدة خلافة الصديق والفاروق رضي الله عنهما وعنه .

وفي خلافة عثمان نزل في دمشق فرأى من إقبال المسلمين على الدنيا وانغماسهم في الترف ما أذهله ودفعه إلى استنكار ذلك فاستدعاه عثمان بن عفان إلى المدينة فقدم إليها ولكنه مالبث أن ضاق برغبة الناس في الدنيا وضاق الناس بشدته عليهم وتنديده بهم (إشهاره لعيوبهم وإسماعهم قارس الكلام) .

فأمره عثمان بالإنتقال إلى (الربذة) وهي قرية صغيرة من قرى المدينة ، فرحل إليها وأقام فيها بعيدا عن الناس زاهدا بما في أيديهم من عرض الدنيا متمسكا بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحباه من إيثار الباقية على الفانية .

دخل عليه رجل ذات مرة فجعل يقلب الطرف في بيته فلم يجد فيه متاعا فقال : يا أبا ذر أين متاعكم ؟ فقال : لنا بيت هناك (يعني الآخرة) نرسل إليه صالح متاعنا ففهم الرجل مراده وقال له : ولكن لابد لك من متاعٍ مادمت في هذه الدار (يعني الدنيا) فأجاب : ولكن صاحب المنزل لايتركنا فيه .

وبعث إليه أمير الشام بثلاثمائة دينار وقال له : استعن بها على قضاء حاجتك ، فردها إليه وقال : أما وجد أمير الشام عبداً لله أهون عليه مني (أذل عده منى) .

وفي السنة الثانية والثلاثين للهجرة استأثرت يد المنون بالعابد الزاهد الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام : ما أقلت الغبراء (حملت الأرض) ولا أظلت الخضراء (السماء) من رجلٍ أصدق من أبي ذر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى