قصص وعبر

قصة عدى بن حاتم الطائى

اليوم بمشيئة الله تعالى نسرد لكم قصة رجل هرب خوفا من الإسلام والمسلمين مما سمعه عنهم لكن ما إذا تبين له الحق ذهب إليهم بنفسه وأعلن إسلامه ، قال فيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( أنت آمنت إذ كفروا وعرفت إذ أنكروا ووفيت إذ غدروا وأقبلت إذ أدبروا ) يالها من كلمات من الفاروق عمر لصاحبنا ، مع الصحابى الجليل عدى بن حاتم الطائى رضى الله عنه .

قصة عدى بن حاتم الطائى
قصة عدى بن حاتم الطائى

فى السنة التاسعة للهجرة دان للإسلام ملك من ملوك العرب بعد نفور ، ولان للإيمان بعد إعراض وصد وأعطى الطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام بعد إباء ، ذلكم هو عدى بن حاتم الطائى الذي يضرب المثل بجود أبيه ، ورث عدي الرئاسة عن أبيه فملكته ( طيئ ) عليها ، وفرضت له الربع في غنائمها ، وأسلمت إليه القياد .

و لما صدع الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم بدعوة الهدي والحق ، ودانت له العرب حيا بعد حى ، رأي عدي في دعوة النبي صلي الله عليه وسلم زعامة توشك أن تقضي علي زعامته ورياسة ستفضى إلى إزالة رياسته ، فعادي الرسول صلي الله عليه وسلم أشد العداوة و هو لا يعرفه وأبغضه أعظم البغض قبل أن يراه .

و ظل علي عداوته للإسلام قريبا من عشرين عاما حتي شرح الله صدره لدعوة الهدي والحق ولإسلام عدي بن حاتم قصة لا تنسى فلنترك للرجل نفسه الحديث عن قصته ، فهو بها أولي ، و بروايتها أجدر ، قال عدى : ما من رجل من العرب كان أشد مني كراهة لرسول الله صلي الله عليه وسلم حين سمعت به ، فقد كنت امرأ شريفا وكنت نصرانيا ، و كنت أسير في قومي بالمرباع فآخذ الربع من غنائمهم كما كان يفعل غيري من ملوك العرب .

فلما سمعت برسول الله صلي الله عليه وسلم كرهته ، ولما عظم أمره واشتدت شوكته ، وجعلت جيوشه تشرق و تغرب في أرض العرب ، قلت لغلام لي يرعي إبلي : لا أبا لك ، أعدد لي من إبلي نوقا سمانا سهلة القياد واربطها قريبا منى ، فإن سمعت بجيش لمحمد أو بسرية من سراياه قد وطئت هذه البلاد فأعلمني .

وفي ذات غداة أقبل علي غلامى وقال : يا مولاي ما كنت تنوي أن تصنعه إذا وطئت أرضك خيل محمد فاصنعه الآن فقلت : و لم ؟ ثقلتك أمك ، فقال : إني قد رأيت رايات تجوس خلال الديار ، فسألت عنها فقيل لي : هذه جيوش محمد فقلت له : أعدد لي النوق التي أمرتك بإعدادها و قربها مني ، ثم نهضت لساعتي فدعوت أهلي وأولادي إلي الرحيل عن الأرض التي أحببناها ، وجعلت أغدو السير نحو بلاد الشام لألحق بأهل ديني من النصاري و أنزل بينهم .

وقد أعجلني الأمر علي استقصاء أهلي كلهم فلما اجتزت مواضع الخطر ، تفقدت أهلي ، فإذا بي قد تركت أختا لي في مواطننا في ( نجد ) مع من بقي هناك من ( طيئ ) ولم يكن لي من سبيل إلي الرجوع إليها فمضيت بمن معي حتي ( الشام ) وأقمت فيها بين أبناء ديني .

أما أختي فقد نزل بها ما كنت أتوقعه وأخشاه لقد بلغني وأنا في ديار الشام أن خيل محمد أغارت علي ديارنا وأخذت أختي في جملة من أخذت من السبايا وسيقت إلي ( يثرب ) وهناك وضعت مع السبايا علي حظيرة عند باب المسجد ، فمر بها النبي صلي الله عليه وسلم فقامت إليه وقالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي من الله عليك .

فقال : ( ومن وافدك ؟ ) فقالت : عدي بن حاتم ، فقال : ( الفار من الله و رسوله ؟ ) ثم مضي الرسول صلي الله عليه وسلم وتركها فلما كان الغد فمر بها فقالت له مثل قولها بالأمس ، فقال لها مثل قوله ، فلما كان بعد الغد مر بها فيئست منه و لم تقل شيئا .

فأشار لها رجل من خلفه أن قومي إليه وكلميه ، فقامت إليه فقالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي من الله عليك ، فقال : ( قد فعلت ) فقالت : إني أريد اللحاق بأهلي في ( الشام ) فقال صلي الله عليه وسلم : ( و لكن لا تعجلي بالخروج حتي تجدي من تثقين به من قومك ليبلغك بلاد الشام ، فإذا وجدتي الثقة فأعلميني ) .

ولما انصرف الرسول صلي الله عليه وسلم سألت عن الرجل الذي أشار إليها أن تكلمه فقيل لها إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم أقامت حتي قدم ركب فيهم من تثق به ، فجاءت إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله لقد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ ، فكساها الرسول صلي الله عليه وسلم ومنحها ناقة تحملها ، وعطاها نفقة تكفيها ، فخرجت مع الركب .

قال عدي : ثم جعلنا بعد ذلك نتنسم أخبارها ونترقب قدومها ونحن لا نكاد نصدق ما روي لنا من خبرها مع محمد وإحسانه إليها كل ذلك الإحسان ، مع ذلك ما كان منى تجاهه ، فوالله إني لقاعد فى أهلي إذ أبصرت امرأة فى هودجها تتجه نحونا فقلت : ابنة حاتم فإذا هى هى ، فلما وقفت علينا بادرتنى بقولها : القاطع الظالم ، لقد احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك وعورتك .

فقلت : أى أُخية لا تقولى إلا خيرا وجعلت أسترضيها حتى رضيت وقصت على خبرها فإذا هو كما تناهى إلى فقلت لها وكانت امرأة حازمة عاقلة : ما ترين فى أمر الرجل ؟ (يعنى محمدا عليه الصلاة والسلام ) فقالت : أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تذل عنده وأنت أنت .

قال عدى : فهيأت جهازى ومضيت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة من غير أمان ولا كتاب وكان بلغنى أنه قال : إنى لأرجو أن يجعل الله يد عدى فى يدى فدخلت عليه وهو فى المسجد فسلمت عليه ، فقال : (من الرجل ؟) فقلت : عدى بن حاتم فقام إلى وأخذ بيدى وانطلق بى إلي بيته فوالله إنه لماض بى إلى البيت إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة ومعها صبى صغير فاستوقفته وجعلت تكلمه فى حاجة لها .

فظل معها حتى قضى حاجتها وأنا واقف فقلت فى نفسى : والله ما هذا بملك ، ثم أخذ بيدى ومضى بى حتى أتينا منزله فتناول وسادة من أدم محشوة ليفا فألقاها إلى وقال : ( اجلس على هذه ) فاستحييت منه وقلت : بل أنت تجلس عليها ، فقال صلى الله عليه وسلم : (بل أنت ) فامتثلت وجلست عليها .

وجلس النبى صلى الله عليه وسلم على الأرض إذ لم يكن فى البيت سواها ، فقلت فى نفسى : والله ما هذا بأمر ملك ، ثم التفت إلى وقال : ( إيه يا عدى بن حاتم ألم تكن ركوسيا تدين بدين النصرانية والصابئة ؟ ) فقلت : بلى ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ألم تكن تسير فى قومك بالمرباع فتأخذ منهم مالا يحل لك فى دينك ؟ ) فقلت : بلى ، وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل .

ثم قال لى : ( لعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما تراه من حاجة المسلمين وفقرهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما ترى من قلة المسلمين وكثرة عدوهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من (القادسية) على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف أحدا الا الله .

ولعلك إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان فى غير المسلمين وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض (بابل) قد فتحت عليهم وأن كنوز (كسرى بن هرمز ) قد صارت إليهم ، فقلت : كنوز كسرى بن هرمز ، فقال : (نعم كنوز كسرى بن هرمز ) ، قال عدى : عند ذلك شهدت شهادة الحق وأسلمت .

عمر عدى بن حاتم رضى الله عنه طويلا وكان يقول : لقد تحققت اثنتان وبقيت الثالثة وإنها والله لابد كائنة ، فقد رأيت المرأة تخرج من (القادسية) على بعيرها لا تخاف شيئا حتى تبلغ هذا البيت وكنت فى أول خيل أغارت على كنوز كسرى بن هرمز وأخذتها وأحلف بالله لتجيئن الثالثة .

وقد شاء الله أن يحقق قول نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فجاءت الثالثة فى عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث فاضت الأموال على المسلمين حتى جعل مناديه ينادى على من يأخذ أموال الزكاة من المسلمين فلم يجد أحدا .

وصدق رسول الله صلوات الله عليه وبر عدى بن حاتم بقسمه .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق