قصص وعبر بعنوان وحين يُثمر الإيثار
عجيبةٌ هي أسباب الله؛ يُعطيك حزناً لتدرك قيمة العطاء، ثم يضع في طريقك سائلاً لتتصدق بآخر ما تملك، ليردّها إليك سبحانه رزقاً وفرحاً وعملاً يغير مجرى حياتك.
حكايةٌ ملهمةٌ تذكرنا دائماً: أرخِ يدك بالصدقة ترتَخِ حبال المصائب من على عاتقك.
القصــــــــــــــــــــة:
خرجتُ من بيتي متجهةً إلى الجامعة، وفي ذلك اليوم سمعتُ أبي يقول لعمي: “سامحني يا أخي على طلبي مسبقا، أريد منك خمسين جنيهاً إلى الغد!”
وقد استلف منه كي لا يقول لي إنني لا أملك مالاً لمواصلاتكِ، فخفتُ أن أقول له إنني لن أذهب اليوم فيشكّ في أنني سمعتُه!
ومع بداية خروجي من البيت، كان عقلي يفكر في هيئة أبي وهو يأخذ المال من عمي لأجلي، وأحسستُ بثقلٍ رهيبٍ في قلبي وكأنه ممتلئٌ بالدخان الذي يمنعه من النبض، وكنتُ طوال اليوم أشعر بالضيق وأدعو الله أن يرزقني بعملٍ صالحٍ أساعدُ به أهلي.
وبرغم ألم قلبي وشتاتي، نظرتُ إلى السماء وقلتُ في نفسي:
سأدّخر من المال الذي معي وأشتري سبحةً إلكترونية، أذكرُ الله كثيراً كل يومٍ عليها، وأكيدٌ أنه سيرزقني!
وعندما فكّرتُ في هذه الفكرة، نبض قلبي بفرحةٍ وشعرتُ بارتياحٍ وهدوء.
ولكن عندما هممتُ بركوب السيارة، وجدتُ رجلاً طاعناً في السن باكياً ويقول لي: عذرا يا ابنتي، ألا تملكين عشرين جنيهاً؟ لأن المال الذي كان معي قد سُرق مني ولا أعلم كيف أعود إلى بلدي!
نظرتُ إلى المال الذي معي وكنتُ متأكدةً أنني لن أستطيع شراء السبحة هكذا، ولكنني توكلتُ على الله وقسمتُ المال بيني وبينه وقلتُ له: لماذا تبكي يا سيدي؟ الأمر لا يستدعي، فأنا مثل ابنتك.
فوجدته ينظر إليّ بعينين ملؤهما الامتنان، وأخذ يدعو لي بالرزق والنجاح، وكأنّ الله أنطقه بهاتين الدعوتين بالذات كي يرزقني بسببه!
أنهيتُ يومي في الكلية وركبتُ المواصلات، وجلستُ أقول:
“اللهم من اعتز بك فلن يذل، ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل، ومن استقوى بك فلن يضعف، ومن استغنى بك فلن يفتقر، ومن استنصر بك فلن يخذل، ومن استعان بك فلن يغلَب، ومن توكل عليك فلن يخيب، ومن جعلك ملاذه فلن يضيع، ومن اعتصم بك فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم.. اللهم فكن لنا ولياً ونصيراً، وكن لنا معيناً ومجيراً، إنك كنت بنا بصيراً”.
وهذا دعاءٌ كان أبي يحفّظني إياه في أوقات الشدة بالذات!
وبينما أنا كذلك، نظرتُ فوجدتُ فتاةً تجلس بجانبي ويبدو عليها الثراء، كانت تتحدث مع أختها عبر الهاتف وتقول لها: أمتأكدةٌ أنتِ أن عمكِ وزّع على الجيران كلهم؟
وتقريباً كان جدها قد توفي وكانت قد اشترت سُبحاتٍ لتوزّعها، ولكنها وجدت أن عمها قد وزّع بالفعل؛ فأغلقت الهاتف مع أختها وفتحت الحقيبة وأخرجت السُبُحات ووزعتها علينا.. ولكنها كانت سُبحاً ذات شكلٍ جميلٍ ويبدو عليها الغلاء!
نظرتُ إلى السبحة الخاصة بي فوجدتُ ملصقاً عليها ورقةٌ فضيةُ اللون كشكل السبحة ومكتوبٌ عليها:
وأنتِ تصدّين.. في سورة الفاتحة لا تصِلي بين آية {ولا الضآلين} بـ (آمين)؛ لأن آمين ليست من الفاتحة فلا يصحّ أن نصلها، واجعلي سكتةً لطيفةً بينهما، ولا تنسي (بسم الله الرحمن الرحيم) لأنها تكون آيةً في الفاتحة.
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
في ذلك الوقت كان قلبي يكاد يطيرُ من الفرحة، وكنتُ مستغربةً جداً من الموقف وأقول: لِمَ السُبَحُ بالذات؟ ولِمَ الرجلُ الذي أعطيته المال دعا لي بالرزق تحديداً؟
ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي وأقول: يا رحيمُ يا رب!
فوجدتُ الفتاة ذاتها التي وزعت علينا السبح تطبطبُ عليّ وتقول لي:
أبِكِ شيء؟
فهززتُ رأسي بنفيٍ وابتسمتُ لها.. فوجدتها تضغط على يدي وتقول:
أخبريني فقط ما بكِ، لعلني أستطيع التخفيف عنكِ.. لا تحرميني الثواب!
فوجدتني أخبرها بما حدث معي، وشعرتُ في وجهها بالقبول.
وما إن أنهيتُ كلامي حتى نظرتْ إليّ وقالت:
في أيّ كليةٍ أنتِ؟
استغربتُ سؤالها وقلتُ: كلية التجارة!
فوجدتُ وجهها يتهللُ فرحاً وقالت: أترين تدابير الله إذاً؟
وقبل أن أتكلم وجدتها تقاطعني وتقول:
أحتاجكِ معي في العمل!
قلتُ لها: أيّ عمل؟
فأجابت وقالت: كان جدي يعمل محاسباً معنا في مصنع الملابس الخاص بنا، ولما توفي أردنا أن نأتي بمكانه بفتاةٍ ماهرة، ولكنني شعرتُ أنه لا يوجد أحدٌ سيحافظ على مالنا في هذا الزمن، وأنا أشعر أنكِ أمينة.. أتقبلين العمل معنا؟
فوجدتُ نفسي أهزّ رأسي بفرحةٍ وأنا صامتة، لا أستطيع الكلام!
أحلامي كلها تحققت بصدقةٍ واحدةٍ خَرجتْ بنية الإيثار على النفس؛ فلأنني فضّلتُ هذا الرجل على نفسي، رزقني الله بالسبحة ورزقني بالعمل ورزقني بالخير..
أرخِ يدك بالصدقةِ تُرتَخِ حبالُ المصائبِ من على عاتقك.
واعلم أن حاجتك إلى الصدقة أشدُّ من حاجةِ من تتصدّق عليه.
للمزيد من قصص وعبر يمكننا من خلال:
قصص وعبر من أجمل ما ستقرأ يوما مليئة بالعبر الحقيقية
وأيضا/ قصص وعبر ذات فوائد جمة لا تعد ولا تحصى اغتنمها ولن تندم











