قصص حب بعنوان وفاء بضريبة غالية
يقولون إن الحب كلمة سهلة النطق، لكنها “أمانة” تنوء عن حملها الجبال؛ فما بالك إذا ارتبط هذا الحب بعهد غليظ وميثاق لا ينفصم؟!
لطالما اعتقدت أن الحب هو تلك اللحظات الوردية والكلمات المعسولة، لكنني اكتشفت متأخراً أن الحب الحقيقي لا يظهر وجهه الناصع إلا تحت سياط الابتلاء، وفي الممرات الضيقة التي يهرب منها الجميع ولا يبقى فيها إلا “الأوفياء”.
وفــــــاء بضريبة غاليـــــة
يراودني سؤال على الدوام، دائما ما يجول بخاطري أن أسأله لكل من أعرفه ومن لا أعرفه أيضا: “هل دفعت يوما ضريبة وفائك؟!”
أتدرون لا أسأل هذا السؤال ولا أرغب في سؤاله على الدوام لكل من أقابله إلا من تجربتي له، لقد دفعت ضريبة وفائي غالية وباهظة للغاية.
الآن أكتب قصتي وأنا أجلس بجوار زوجتي التي فقدت بصرها في حادث أليم، وهي الآن تبتسم لي رغم عتمة عالمها، وكل ذلك بسببي أنا!؛ قررت كتابة قصتي لتكون عبرة لكل من يتعظ بها قبل أن يفوت عليه الأوان…
منذ مراهقتي تعلق قلبي بابنة الجيران، أحببتها حتى ظننت أن هذا العشق هو الوقود الوحيد لروحي، وأن كل معاني التضحية قد صبها الله سبحانه وتعالى في صدري لأجلها، لقد عشت كل حياتي أخطط لمستقبل يجمعنا، فأصبح شغلي الشاغل أن أبني لها قصراً من السعادة؛ تقدمت لخطبتها مراراً حتى فزت بها، تمنيت لها دوام النور وأن يأخذ ربي من بصري ويعطي لعينها ويأخذ منها ذبولها ويعطيني نضارته.
وكانت المفاجأة التي قصمت ظهري نصفين أنني في بداية طريقنا المهني تعرضت لأزمة مادية خانقة جعلتني أفقد كل ما أملك، تعصب أقاربي علي للغاية وطلبوا مني أن أنفصل عنها لأتزوج من امرأة ثرية تنتشلني من فقري، وإلا سأواجه الدنيا وحيداً ولن يقف بجانبي أحد، وبالفعل تركوني في محنتي، ولكنها تمسكت بي بيدين من حديد رغم أنها كانت رقيقة للغاية، كانت تختلف عن كل من عرفت بصلابتها في الحق.
لا أستطيع أن أنكر على الإطلاق أنها كانت السبب الأول والأخير في صبري على الشدائد وتعلق قلبي بالرضا، لقد أيقظت بداخلي القناعة التي كدت أكون قد فقدتها كليا في صراع المادة، لا أنكر عليها أنها كانت تبيع مدخراتها البسيطة لندفع إيجار منزلنا الصغير ولكن كان كل تفكيرها في “الغد الأجمل”، يا ترى بالغد سنبني ماذا وكيف؟!، يا ترى سنربي أطفالنا على أي قيم؟!، وسنحفظ عهودنا في المكان كذا، لقد كان كل تفكيرها واهتمامها بالبقاء معاً أين أنا وأين هي من مغريات الحياة؟!
لم أكتشف أن معدني قد صُقل على يديها إلا عندما وجدت أن أصدقائي “المصلحيين” يبتعدون عن طريقي شيئا فشيئا، لم يعودوا يطيقون جلساتي لكوني أصبحت أتحدث عن “البركة” و”الوفاء”، لم يكونوا قادرين على سماع كلمة إن الحب عهد لا يخون!، عن نفسي كنت يوما مثلهم ألهث خلف المظاهر، ولكنهم انفضوا من حولي ولم أستطع إقناعهم بأن الغنى غنى النفس.
وفي يوم من الأيام حدث شيء معي كان الفيصل في حياتي بأكملها، كنت في الحديقة العامة وفجأة سمعت شاباً يقول لخطيبته بجفاء: “انتهى كل شيء، بعد حادثكِ هذا لن أستطيع الاستمرار مع فتاة مشوهة، اذهبي وابحثي عن شخص يقبل بكِ”!
وجدت الفتاة تنظر إليه بقلب مكسور، لم تنطق بحرف واحد على الإطلاق، غطت وجهها بوشاحها وذهبت بعيداً، وجدت نفسي أتبعها تلقائيا وإذا بها تجلس على مقعد خشبي وحيدة، وجدت نفسي أقترب منها وهي تحاول إخفاء أثر الحرق البسيط في يدها، وإذا بها تمسك “دبلة” الخطوبة وتتحسسها بمرارة وأخيرا انفجرت ببكاء مرير.
اقتربت منها: “على فكرة، هو لا يستحق جوهرة مثلكِ”.
وجدتها تنتفض من مكانها وكأنها تكاد لا تصدق ما تسمع أذنيها وهي تحاول ستر يدها: “هل رأيت بشاعتي؟!”
أكملت بكل ثقة بحديثي: “رأيت نوراً في صبركِ لا يملكه هو، غداً سيأتيكِ من يرى في هذا الجرح وسام شرف”، وتظاهرت بأنني أعرف شخصاً يبحث عن زوجة صالحة: “إن أجمل ما فيكِ…”
فأكملت من وسط دموعها: “قلبي؟!”.
أخذت تشكو ضيق حالها؛ أخبرتها: “الله سيجبركِ بأجمل مما فقدتِ”، ذهبت وهي تشعر بكرامتها تعود إليها، أما عني فقد ركضت وقمت بالبحث عن عمل إضافي لأشتري لزوجتي هدية بسيطة تعوضها عن أيام الصبر؛ ذهبت لزوجتي وأخبرتها أنني لن أتركها أبداً مهما ضاقت بنا الدنيا.
مرت السنوات، ووقع الحادث الذي أفقد زوجتي بصرها، فكنت لها العين التي تبصر بها، واليد التي تتكئ عليها؛ سألني الجيران بتعجب: “كيف تتحمل البقاء مع زوجة كفيفة وأنت في عز شبابك ومالك؟!”، لم أدري بماذا أجيبهم! اكتفيت بابتسامة، فقلت لهم: “لقد كانت عيني حينما كنت أعمى عن الحقيقة، فكيف أتركها حينما فقدت بصرها هي؟!”
نظرت إليّ زوجتي بابتسامة ملأها اليقين، حينها أدركت العبارة التي كانت على الدوام تذكرها لي: “من حفظ عهداً مع الله، حفظ الله له عهود البشر”.
كنت أرعاها وأدعو لها على الدوام أن يملأ الله قلبها نوراً، وبالفعل استجاب الله سبحانه وتعالى لدعواتي، ويوم نجاح مشروعي الكبير لم يقدم أصدقائي القدامى، شعرت بالاستغناء، لقد كانت هي جيشي الوحيد في كل مراحل الحياة.
ومن أعظم ما حدث لي في حفل تكريمي كأفضل رجل أعمال، أنني وجدت تلك الفتاة التي رأيتها في الحديقة قديماً، تأتي ومعها زوجها الذي يبدو عليه الصلاح، اقتربت مني قائلة: “إنك لا تدري أن كلماتك ذلك اليوم كانت القشة التي أنقذت حياتي من الانتحار، لقد رزقني الله بهذا الرجل الذي لم يرَ في جرحي إلا جمالاً، وقد أسمينا ابنتنا على اسم زوجتك الوفية”!
تعجبت من كرم الله سبحانه وتعالى معي ومن شدة عطائه العظيم، الآن إنني أمتلك من السعادة ما لا تشتريه أموال الدنيا، وأصدقائي القدامى الآن يعيشون في تخبط؛ أما عن زوجتي التي فقدت بصرها، فهي من بصرتني بطريق الجنة، وبيتنا الآن عامر بذكر الله وحب لا ينطفئ.
يجب أن يكون مهر الوفاء تيجاناً من السكينة وقصوراً في قلب من نحب.
ونصيحتي في الختام….
“ادفع ضريبة وفائك خسارتك لأشخاص ماديين، لأن الربح الحقيقي هو قلب يشيخ معك ولا يتغير، وربٌّ يبارك في القليل فيجعله كثيراً”.
اقرأ مزيدا من قصص حب من خلال:
قصص حب بالعامية بعنوان حب رغم المسافات










