قصص قصيرة

قصة صوت صفير البلبل وصحة نسبها للأصمعي

“صوت صفير البلبل” قصيدة ينسب نظمها للأصمعي (عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي)، والذي لقب براوية العرب، والذي كان أيضا واحدا من أبرز أئمة الأمة في اللغة والشعر.

كان الأصمعي دائم الطواف بالبوادي والصحاري، كان دائم جمع العلوم حول الأرض وعالما في جمعها وتلقي الأخبار، فكان يعود من ثم بها ليعلم بها الأمراء ويتحفهم فيتلقى عليها الكثير من العطايا النفيسة الغالية.

لقب الأصمعي بالكثير من الألقاب، فقد لقبه الرشيد بشيطان الشعر، فقال الأخفش في حقه: “ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي، وقال أبو الطيب اللغوي: “كان الأصمعي أتقن القوم للغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظا”.

كان الأصمعي من أسرة متعلمة لما جاء من روايته عن أبيه في طلب العلم والأخبار، وقد تتلمذ الأصمعي على يد نخبة من علماء الإسلام حيث كان يتابع مجالسهم، وكان من أبرزهم الإمام أبي حنيفة ومالك بن أنس والشافعي والإمام أحمد بن حنبل.

كان هناك في ذلك العصر الكثير من تشجيع الخلفاء للعلماء وتحفيزهم، فكانت تنعقد مجالس المناظرات بين العلماء في قصور خلفائهم، وكل عالم كان يساهم بما لديه ويقدم الأفضل، وكان الأصمعي ممن ساهم في كل ذلك.

إن علم الأصمعي لم يكن علم سماع من الأعراب أو رواية عنهم، وإنما كان علم رواية ودرس دراية.

قصـــــة قصيدة صوت صفير البلبل

صورة عن أدوات الكتابة قديما
مدونة من الزمن الجميل

كما ذكرنا في البداية إن قصيدة صوت صفير البلبل نسب نظمها للأصمعي، وقد جاءت الأخبار في قصة القصيدة أن الأصمعي تحدى بها الخليفة العباسي “أبا جعفر المنصور”، حيث أن الخليفة “أبا جعفر المنصور” قد ضيق الأمر كليا على كل الشعراء، لقد كان الخليفة باستطاعته أن يحفظ أي قصيدة تلقى عليه من أول مرة يسمعها، وبمجرد أن ينتهي من سماعها يدعي بأنه قد سمعها من قبل، ويقوم بسردها كاملة دون خطأ على مسامع الشاعر.

وليزيد اليقين داخل نفس الشاعر، كان للخليفة غلام باستطاعته أن يحفظ ما يلقى أمامه من المرة الثانية، فبعد سرد الشاعر قصيدته في المرة الأولى وبعد قيام الخليفة بسردها للمرة الثانية، هكذا يتمكن الغلام من سردها وإلقائها على مسامع الشاعر، وكان لدى الخليفة أيضا جارية تجيد حفظ القصائد من المرة الثالثة، فكان يعيد إلقائها الخليفة ومن ثم الغلام ويسبقهم مؤلف القصيدة نفسه، وهكذا تكون الجارية سمعتها أيضا ثلاثة مرات متتاليات وقامت بحفظها، فتسردها أمام الجميع.

وبذلك يقنع الخليفة الشاعر الذي قام بتأليف القصيدة وكل من حوله أن القصيدة قد قيلت من قلب، وبذلك أمكن ثلاثتهم سردها من جديد، وكان هذا ما يفعله مع كل الشعراء فجعلهم جميعا يصابون بخيبة الأمل والإحباط والفشل أيضا؛ وقد أحب الخليفة اللعبة التي خلقها وأراد أن يزود روح التحدي ويشعلها فجعل مكافأة لمن يأتي بقصيدة لا يستطيع سردها، وأن المكافأة هي وزن ما كتبت عليه ذهبا.

ورد الأمر الأصمعي، والذي قال: “إن في الأمر لمكر وحيلة”، فقام بإعداد قصيدة اعتمد من خلالها على كلمات منوعة وغريبة المعاني، وتنكر في لباس الأعراب، فقد كان الأصمعي معروفا لدى الخليفة كل الأمراء، وأول ما دخل على الخليفة قال الأصمعي: “إن لدي قصيدة وأنا على يقين بأنك لم تسمعها من قبل”.

فقال الخليفة: “هات ما عندك”.

فألقى الأصمعي قائلا…

صـــــوت صفير البلبل                 هيـــــج قلبي الثمل

الماء والزهر معـــــــا                  مــع زهر لحظ المقل

وأنت يــــــا سيد لي                     وسيـــــدي ومولى لي

فكــــم فكم تيمني                        غزيل عقيقلــــــــــــي

قطــــــــفته من وجنة                     من لثم ورد الخـــجل

فقـــــــال لا لا لا لا لا                  وقــــــــد غدا مهرول

والخــــوذ مالت طربا                  من فعـــــل هذا الرجل

فـــــولولت وولولت                      ولي ولي يـــا ويل لي

فقلت لا تــولولي                         وبيني اللؤلؤ لـــــي

قالت لـــــه حين كذا                         انهض وجد بالنقل

وفتيــــــــــة سقونني                     قهــــــــوة كالعسل لي

شممتهـــــــــــا بأنفي                   أزكـــــى من القرنفل

في وســــــــــط بستان حلي          بالزهر والســـــرور لي

والعـــــود دندن دنا لي               والطبل طبطب طـب لي

طــب طبطب طـب طبطب          طـــب طبطب طبطب لي

والسقـف سق سق سق لي          والرقـــــــص قد طاب إلي

شـوى شـوى وشاهش                على ورق سفـــــــرجل

وغـــرد القمـري يصيـــح               ملل فــــــــي ملل

ولــــــو تـــراني راكبـــــا            على حمــــــــــار أهزل

يمشـــــي على ثلاثـــة               كمشيــــــــــــــة العرنجل

والنـــــــاس ترجم جملي            فـي السوق بــــــــالقلقلل

والكــــل كعكع كعكع                  خلفــي ومن حويللي

لكن مشـيت هـــاربا                   من خشيــــــــة العقنقل

إلى لقاء ملك                         معظـــــــــــــم مبـــــــجل

يــأمر لي بخلعــــــــــــة          حمـــــــــــــــــرا كالدم دملي

أجــــــــــــر فيها ماشيا               مبغــــــددا للــــــــــذيل

أنــــا الأديـــــــب الألمعي          من حـي أرض المــوصل

نظمت قطعــــــــــا زخرفت          يعجز عنها الأدب لي

أقـــــــــول في مطلعها              صوت صفيـــــــــر البلبل

وما إن انتهى الأصمعي من قراءة القصيدة على مسامعه حتى عجز الخليفة عن ذكر شيء منها، وجاء بغلامه والذي لم يذكرها شيئا منها حيث أنه يحفظ من المرة الثانية، والجارية مثل الوضع عجزت عن النطق بحرف واحد لأنها تحفظ من المرة الثالثة.

وبالتالي لم يكن من أمر الخليفة إلا أن سأله قائلا: “سأعطيك وزن لوح الكتابة ذهبا، فأخبرني على ماذا كتبت قصيدتك؟”

فرد عليه الأصمعي وقد كان متنكرا: “لقد ورثت عمود من الرخام عن والدي، فنقشت عليه قصيدتي، وهذا العمود الرخامي محمول على جملي بالخارج بإمكان عشرة من الرجال حمله”.

وبالفعل جيء بالعمود الرخامي المنقوش عليه القصيدة وقد وزن بوزنه ذهبا، وقد وزنه صندوق بأكمله.

فقال الوزير للخليفة: “يا أمير المؤمنين ما أظن هذا الأعرابي إلا الأصمعي بعينه”.

فقال الخليفة: “أمطِ لثامك أيها الأعرابي”.

فأزال الأعرابي لثامه، وإذا به يرى أمام الجميع الأصمعي.

فقال الوزير: “أتفعل هكذا بأمير المؤمنين يا أصمعي؟!”

فقال الأصمعي: “يا أمير المؤمنين لقد قطعت عيش كل الشعراء بفعلتك هذه”.

فقال الخليفة: “أعد ما أخذته”.

فقال الأصمعي: “لا أعيده”.

فقال الخليفة: “بل ستعيده”.

فقال الأصمعي: “أعيده ولكن بشرط واحد”.

فقال الخليفة: “وما هو؟!”

قال الأصمعي: “أن تدفع للشعراء جزاء قولهم ومنقولهم”.

فقال الخليفة: “لك ما تريد يا أصمعي”.

هل قصيدة صوت البلبل هي للأصمعي كما نسب إليه؟!

إن النقاد يشكون في صحة نسب هذه القصيدة للأصمعي لما جاء بها من أخطاء لغوية وضياع للوزن والقافية.

وجاء أهل التاريخ بأن الأصمعي لم يكن على اتصال إلا بالخليفة هارون الرشيد، ولم يأتي التاريخ بأن الأصمعي كان من جلساء الخليفة أبا جعفر المنصور، ولو أن الأصمعي كان جليسا للخليفة المنصور لوردنا ذكر ذلك بالتاريخ على أقلام مؤرخيه.

ولد الأصمعي عام 121 هجريا، وتولى المنصور الخلافة من عام 136 هجريا وحتى عام 158 هجريا، وفي ذلك الوقت كان الأصمعي في بداية شبابه، وقد جاء في سيرته أنه كان حينها مشتغلا بتجميع وتحصيل العلم وجمع الأخبار أيضا، ولم يكن حينها اتصل بالخلفاء والأمراء.

اتصفت القصيدة أيضا بأنها ركيكة، ولم يرد ذكرها إلا في كتاب إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس، وهذا الكتاب الذي ألفه “محمد بن دياب الإتليدي” وقد كان مجهول ولم يكن له إلا هذا الكتاب.

اقرأ أيضا عزيزنا القارئ:

قصة معلقة عمرو بن كلثوم، قصة من أشهر معلقات الشعر الجاهلي

قصص حب في الجاهلية “قيس ولبنى” قصة حزينة وموجعة للقلب

قصص قصيرة طه حسين وسيرته الذاتية الخالدة

قصص مضحكة في الجاهلية قصص طريفة للغاية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى