التخطي إلى المحتوى

التواضع شيء جميل جدًّا لا يصدر إلا من قلب تقي نقي يعرف الله، فالمتواضعون لهم جزاء كبير عند الله، ولهم حسن الذكر في الدنيا، فلن تجد متواضعًا قط مكروه بين الناس، بل الكل يحب المتواضعين ويحب الجلوس معهم ويحب مؤاكلتهم، أما المتكبرين فالكل ينفر منهم وعنهم بل ولا يطيق أحد سماع سيرتهم أو أخبارهم، وفي هذه القصة نعرف عظمة التواضع وكيف أنها تؤدي بالإنسان إلى مراتب عالية وكيف أن الكبر يؤدي بالإنسان إلى مراتب متدنية، فمع القصة:

قصة عاقبة التواضع

في مكان قديم من إحدى القرى في الهند القديمة، كان يوجد شاب فقير يُسمى خان، وكان هذا الشاب على حد كبير من الفقر إلى الدرجة التي لم تجعله يقبل على الزواج نظرًا لضيق الحال وقلة ذات اليد وانعدام المؤونة، وكمان هذا الرجل يشتغل باجتهاد عظيم وجدٍّ شديد، وكان يشتغل في كل ما تقع عليه عينه، فهو لم يترك عملًا إلا وقام به، ولم يترك شيئًا من التجارة أو الحدادة أو النجارة إلا واشتغل فيه، وكان مع ذلك لا يمكن أن يسأل عن أجرته، وكان من عادته أن يأخذ ما يُعْطَى من صاحب العمل دون أن يتكلم أو يناقش في قلة هذه الأموال من عدمها وفيما يستحقه هو على عمله من أجر أكبر من ذلك، وكان لا يرفض أي عمل البتة مهما كان شاقًّا ومرهقًا ومتعبًا، فقد كان يحب أن يعمل كي يستطيع الإنفاق ولا يتسول من الناس.

وهذه الصفات التي كان يتمتع بها خان جعلت الجميع يحبونه إلى درجة كبيرة، وكانوا يفضلون أن يعمل هو عندهم دون غيره، كان من عادة خان أنه في آخر كل يوم عمل بعد انتهائه من أعماله الشاقة المرهقة وقبل أن يرجع إلى بيته كي يأخذ حمامًا في ماء النهر، كان يقوم بزيارة أحد العلماء الكبار من أصحاب الهيبة والوقار وكان يجل العلماء جدًّا ويتواضع عندهم، ولم يكن يتأخر في الجلوس تحت أقدام هذا العالم الجليل الذي كان يحبه جميع أهل القرية.

وذات يوم أحس خان بأن العالم مرهق وتبدو على وجهه أمارات التعب والإرهاق الشديدين، فقال للعالم: يظهر أنك قد تعبت اليوم، فتعال معي إلى بيتي كي أخدمك كل وقتي وأقدم لك كل ما تحتاج من وسائل المساعدة وحتى لا تغيب عن نظري لحظة واحدة، فابتسم العالم الجليل لخان وأحس بما يكنُّ له من حب شديد، وقال له العالم: اذهب إلى منزلك ورتب أمورك ثم تعال خذني أذهب معك.

أحس خان بالبأو والتيه والفخر الشديد؛ لأن هذا العالم الجليل سيحل ضيفًا عنده يخدمه ويرعاه رغم أن هناك كثيرين يتمنون أن يذهب عندهم العالم الجليل ولكن العالم اختار خان دون غيره ليحل عليه بوجهه الجميل وطلعته الرائعة، وفورًا ذهب خان إلى بيته وأعد أموره جيدًا ورتب ما فيه استعدادًا لمجيء العالم، ثم بعدها مضى في طريقه ليذهب إليه كي يأتي عنده ويستقبله في بيته، ولكنه أثناء ذهابه وجد رجلًا طاعنًا في العمر يقول له: أي بني، إنني لم آكل منذ زمن بعيد وأنا جائع جدًّا الآن، فهلا أنت منحتني بعض الطعام؟

فقال له خان: هيا معي أيها الشيخ الكبير وذهب به إلى بيته وقدم له بعض الأطعمة التي كان قد أعدها سلفًا، وحين فرغ العجوز من الطعام دعا لخان بالبركة وأن يهبه الله ما يشتهي وأن يزيده من فضله على حسن عمله معه ثم انصرف الرجل.

وبعدها أسرع خان إلى مكان العالم الجليل كي يأتي به إلى منزله، غير أنه في أثناء ذهابه ذلك وجد في طريقه امرأة عجوز تطلب الطعام أيضًا وقالت له: إنها جائعة ولم تطعم لقمة منذ عهد طويل، فهل من الممكن أن تمنحني مما منحك الله من الطعام؟ فما كان من خان إلا أن أعطاها من الطعام والشراب فأخذت العجوز تدعو الله أن يمنحه من فضله العميم وأن يجزل له المثوبة جزاء ما صنع معها وما أشبع من جوعها، ثم انصرفت، وأخذ خان يهرع إلى حيث مكان العالم الجليل، ولكنه وهو في طريقه وجد صبيًّا من الأيتام، وقال له: أي عم، إنني لم آكل منذ زمن طويل وأنا جائع جدًّا فهل لي عندك بمكان أنام فيه الليلة؟ فما كان من خان إلا أن أشفق بصورة كبيرة على منظر الصبي وتحسر على حاله، وأخذه وأطعمه في بيته وقدم له الشراب، وجعله ينام الليلة في بيته، غير أن هذا الصبي بعدما أكل وشرب طلب الانصراف ولم ينم، ثم بعدها ذهب خان إلى مكان العالم الجليل وهو يهرع ويسرع بصورة كبيرة، وحين وصل إلى العالم اعتذر له بشدة على ما حصل منه من التأخر وقص عليه ما حصل، فشكر له العالم ذلك الذي صنع، وأخبره أن ذلك كان أحب إليه من استقباله نفسه، وفرح العالم جدًّا بما رأى من صنيع الرجل وتواضعه وحبه للخير، وأخبره العالم بأنه لن يأتي معه يكفي ما قدمه اليوم لهؤلاء المحتاجين فهو لا يريد أن يحمله أكثر من ذلك من طعام وشراب، ولكن خان أصر على أن يأتي معه ويحل في بيته، فوافق العالم في نهاية الأمر وذهب معه وهو يدعو له بمزيد من الخير والتواضع.

وفي جهة أخرى علم ملك القرية بذهاب العالم إلى بيت خان فأحس بغيرة شديدة من ذلك الفعل، حيث إن العالم لم يحضر إليه في يوم من الأيام فكيف يحضر إلى بيت من بيوت الرعية وهو بيت خان؟! فذهب ملك القرية إلى العالم يطلب منه أن يذهب إلى بيته ويطعم من طعام ويشرب من شرابه ويفعل معه مثل الذي فعله مع خان، فقال له العالم: اذهب إلى بيتك وقم بترتيبه ثم بعدها تعال خذني إليك.

فهرع الملك وأعد للعالم طعامًا كثيرًا ومأدبة شهية، ثم بعدها هرع إلى العالم كي يأتي به ويستقبله في بيته، وبينما هو في طريقه إذا به يجد رجلًا يطلب منه الطعام ويتوسل في ذلك إليه، غير أن الملك غضب غضبًا شديدًا ووبَّخ الرجل على صنيعه وأنه كيف يتسول في قريته ومضى عنه ولم يطعمه، ثم لاقى سيدة عجوز تطلب الطعام والشراب لأنها لا تقدر على شراء شيء من هذه الأشياء، غير أنه تجاهلها هي الأخرى ولم يلتفت إليها، ثم قابل صبيًّا صغيرًا من الأيتام يطلب منه الطعام والشراب والمأوى غير أنه مضى وذهب عنه هو الآخر، حتى وصل إلى مكان العالم.

وبعد أن وصل الرجل قال للعالم: إن الطعام جاهز، وبينما أنا سائر إليك حصل كذا وكذا وقص عليه القصة، وأنه أهمل كل هؤلاء في سبيل سرعة الوصول إلى العالم، فلما سمع العالم ذلك الكلام غضب غضبًا شديدًا ونهر الملك على ما كان من وقاحته، فأحس الملك بمدى ما فعل من سوء وأدرك عظيم الخطأ الذي أصبح عليه، وبعدها عاهد نفسه على أن يتواضع للمساكين والضعفاء مثل ما فعل خان.

هكذا كانت قصتنا اليوم كلها عظة وعبرة، لعل القارئ قد استفاد أن التواضع هو أهم ما يمكن أن يصنعه تجاه الناس، فلا يمنع الرجل من التواضع وحب الخير تحت أي ظرف من الظروف ومهما كانت المبررات، فالضعفاء والمساكين لا بد لهم من رعاية، فإن لم يتواضع لهم الناس ماتوا همًّا وجوعًا، ولعل القصة تكون قد أفادت القارئ إلى حد كبير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.