قصص حب بعنوان أنتِ لي العالم وما سواه فناء
يقولون إن الحب تضحية، لكن في قصتنا هذه، كانت التضحية هي الحب ذاته…
من تنازلٍ عن حلم مهني ليكون الظل والرفيق، إلى صمودٍ في وجه رغبات الأهل دفاعاً عن كرامة الشريك.
تروي هذه السطور ملحمة إنسانية بدأت بمنافسة طفولية وانتهت ببناء عائلة لم تخترها الجينات، بل اختارها الإيمان والوفاء، هذه القصة هي دعوة للتأمل في كيف يمكن لموقف واحد في سنة رابعة ابتدائي أن يصيغ دستور حياة كاملة عنوانها: أنتِ لي العالم وما سواه فناء.
القصـــــــــــــــــــــــة:
بين خيوط الصوف الملونة وإبرة “الكروشيه”، كانت طفلة رقيقة تنسج مفرشاً لوالدتها بمناسبة “عيد الأم”، تسير كل يوم في طريقها المعتاد، غير مدركة أن خطوتها القادمة ستغير مسار حياتها وحياة طفل يسكن الزقاق نفسه، ويدرس في الفصل المجاور لها بمدرستهم الابتدائية.
صدفةٌ غيَّرت الأقدار:
بينما كانت تسير، تناهى إلى مسامعها سؤال علمي يطرحه رجل على طفل، فتبينت خطأه، ولم تتردد في التدخل بذكاء فطري لتصحح المعلومة.
كان السائل هو عم ذلك الطفل، الذي كان يختبر ابن أخيه في مادة العلوم، ومع كل سؤال كان الطفل يعجز عن إجابته، كانت الصغيرة تسبقه بالرد الواثق المستفيض.
انتهت الأسئلة، فغمر العم الطفلة بالثناء، بينما رمق ابن أخيه بنظرة حادة مليئة بالعتاب، مما أشعل في قلب الطفل ناراً من الغيظ والقهر.
غادرت الطفلة، فتبعها الطفل غاضباً، عازماً على أن يلقنها درساً قاسياً يمنعها من المرور أمامه مجدداً، غير أن ابن عمه استوقفه بسؤال هز كيانه: “أتضرب فتاة؟!”.
تراجع الصغير في اللحظة الأخيرة، فقد غلبت عليه مروءةٌ فطرية تأبى إيذاء النساء، لكن الموقف ظل محفوراً في ذاكرته، محولاً إياه من طالب مهمل إلى شعلة من النشاط والتفوق ليجاري ذكاء تلك “الخصمة” الصغيرة.
من الخصومة إلى الهيام:
مرت السنون، واجتمعا في مرحلة الدراسة الإعدادية في فصل واحد، كانت هي دائماً تتربع على عرش المرتبة الأولى، بينما تبدلت مشاعر الكره في قلبه إلى إعجاب عميق، ثم استحال الإعجاب حباً جارفاً.
صار يتعمد الخسارة أمامها في المسابقات المدرسية ليراها متوجة، وكانت هي تدرك نبله بقلبها، فبادلته حباً صامتاً تزداد أواصره وثوقاً يوماً بعد يوم، حتى في فترات العطلات، تنافسا في حفظ القرآن الكريم، فأتمَّاه معاً ببركة الله.
معركة الأحلام والتضحية:
في الثانوية العامة، كان الاختبار الحقيقي؛ فقد عشقت هي العلوم الطبية، بينما هام هو بالرياضيات حالمًا بالهندسة.
ومع ذلك، اختار هو بملء إرادته أن يضحي بحلمه في الهندسة ليكون رفيق دربها في كلية الطب، وبالفعل، دخلا سوياً مدرجات الجامعة، وكان لها كظلها، يحميها بصمته ويحيطها برعايته، حتى لم يجرؤ أحد على مضايقتها بكلمة في حضوره.
رباط مقدس واختبار صعب:
بعد السنة الرابعة، أوفى الشاب بعهده لوالده، وطلب يدها رسمياً، بارك الأهل هذه العلاقة التي عرفوا بذورها منذ الطفولة، وتم الزواج قبل التخرج بإصرار منهما.
تخرجا وتعينا في محافظات بعيدة، ثم نالا درجة الدكتوراه، وسافرا معاً للعمل في الخارج، حيث حققا نجاحاً باهراً، ولم ينسيا فضلهما على أهليهما، بل شيدا لهم مشاريع تضمن لهم حياة كريمة.
محنة الابتلاء والثبات:
لكن الحياة لا تخلو من كدر؛ فقد واجهت الزوجة صعوبات في الإنجاب، وأثبتت الفحوصات استحالة ذلك.
وبقلب يعتصره الألم، طلبت من زوجها أن يتزوج بأخرى ليرزق بطفل يحمل اسمه، لكنه رفض بشدة، قائلاً لها كلمته الخالدة: “أنتِ لي الابنة والابن، والأب والأم، بوجودكِ استغنيتُ عن العالم”.
إلا أن والدته لم ترضَ بهذا، وحاولت إجباره على الزواج من ابنة عمه، مخيرة إياه بين رضاها وبين بقائه على عهده.
وأمام هذا الضغط النفسي والقهر الذي شعرت به زوجته، اتخذ الزوج قراراً حاسماً؛ فقطع إجازته وعاد بها إلى مغتربهما، معلناً أن حبه لا يُقايض بذرية.
مسك الختام:
هناك، في ديار الغربة، فتحا قلبهما لثلاثة أطفال من الأيتام، فتبنوهم وأحسنوا تربيتهم على قيم العلم والقرآن، حتى غدوا أطباء ناجحين، ليكونا بذلك قد نالا أجر الصبر والوفاء، وصنعا عائلةً لم تبنها الأنساب، بل شيدتها الأرواح الوفية.
للمزيـد من قصص حب يمكننا من خلال:
قصص حب بعنوان عوض الله الذي يأتي في خريف العمر











