قصص وعبر

قصة عبد الله بن جحش

اليوم بمشيئة الله تعالى نستكمل معكم قصص الأبطال الأبرار الأخيار الزهاد العباد وسيرة من سير الأعلام ونبيل من النبلاء مع رجل لقب بأنه ( أول من دعى بأمير المؤمنين ) مع الصحابى الجليل عبد الله بن جحش رضى الله عنه .

قصة عبد الله بن جحش
قصة عبد الله بن جحش

الصحابى الذى نسوق عنه الحديث الآن وثيق الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم وواحد من أصحاب الأوليات فى الإسلام فهو ابن عمةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن أمه أميمة بنت عبد المطلب كانت عمة النبى عليه الصلاة والسلام وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن أخته زينب بنت جحش كانت زوجة النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وإحدى أمهات المؤمنين .

وهو أول من عقد لواء فى الإسلام وهو بعد ذلك أول من دعى أمير المؤمنين إنه عبد الله بن جحش الأسدى ، أسلم عبد الله بن جحش قبل أن يدخل النبى عليه الصلاة والسلام دار الأرقم فكان من السابقين إلى الإسلام ، ولما أذن النبى عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى المدينة فرارا بدينهم من أذى قريش ، كان عبد الله بن جحش ثانى المهاجرين إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل إلا أبو سلمة .

على أن الهجرة إلى الله ومفارقة الأهل والوطن فى سبيله لم تكن أمرا جديدا على عبد الله بن جحش فقد هاجر هو وبعد ذويه قبل ذلك إلى الحبشة ، لكن هجرته هذه المره كانت أشمل وأوسع فقد هاجر معه أهله وذووه وسائر بنى أبية رجالا ونساء وشيبا وشبانا وصبية وصبيات ففقد كان بيته وبيت إسلام وقبيله قبيل إيمان .

فما إن فصلوا عن مكة حتى بدأت ديارهم حزينة كئيبة وغدت خواء خلاء كأن لم يكن فيها أنيس من قبل ولم يسمر فى ربوعها سامر، ولم يمض غير قليل على هجرة عبد الله ومن معه حتى خرج زعماء قريش يطوفون فى أحياء مكة لمعرفة من رحل عنها من المسلمين ومن بقى منهموكان فيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة .

فنظر عتبة إلى منازل بنى جحش تتناوخ فيها الرياح السافيات وتخفق أبوابها خفقا وقال : أصبحت ديار بنى جحش خلاء تبكى أهلها فقال أبو جهل : ومن هؤلاء حتى تبكيهم الديار ، ثم وضع أبو جهل يده على دار عبد الله بن جحش فقد كانت أجمل هذه الدور وأغناها وجعل يتصرف فيها وفى متاعها كما يتصرف المالك فى ملكه .

فلما بلغ عبد الله بن جحش ما صنع أبو جهل فى داره ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبى عليه الصلاة والسلام : ( ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا فى الجنة ) قال : بلى يا رسول الله ، قال : ( فذلك لك ) فطابت نفس عبد الله وقرت عينه .

ما كاد عبد الله بن جحش يستقر فى المدينة بعد ما تكبده من نصب فى هجرته الأولى والثانية وما كاد يذوق طعم الراحة فى كنف الأنصار بعد ما ناله من أذى على يد قريش حتى شاء الله أن يتعرض لأقسى امتحان عرفه فى حياته وأن يعانى أعنف تجربة لقيها منذ أسلم ، فلنرهف السمع لقصة تلك التجربة القاسية المرة .

انتدب الرسول صلوات الله عليه ثمانية من أصحابه للقيام بأول عمل عسكرى فى الإسلام فيهم عبد الله بن جحش وسعد بن أبى وقاص وقال : ( لَأُؤَمِرن عليكم أصبركم على الجوع والعطش ) ثم عقد لواءهم لعبد الله بن جحش فكان أول أمير أُمر على طائفة من المؤمنين .

حدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جحش وجهته وأعطاه كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين ، فلما انقضى على مسيرة السرية يومان نظر عبد الله فى الكتاب فإذا فيه ( إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل – نخلة – بين الطائف ومكة فترصد بها قريشا وقف لنا على أخبارهم ) وما إن أتم عبد الله الكتاب حتى قال : سمعا وطاعة لنبى الله .

ثم قال لأصحابه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أمضى إلى نخلة لأرصد قريشا حتى آتيه بأخبارهم وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم على المضى معى فمن يريد الشهادة ويرغب فيها فليصحبنى ومن كره ذلك فليرجع غير مذموم ، فقال القوم : سمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نمضى معك حيث أمرك نبى الله .

ثم سار القوم حتى بلغوا نخلة وطفقوا يجوسون أى يدورون وبحثون خلال الدروب ليترصدوا أخبار قريش وفيما هم كذلك أبصروا عن بعد قافلة لقريش فيها أربعة رجال هم عمرو بن الحضرمى والحكم بن كيسان  وعثمان بن عبد الله وأخوه المغيرة ومعهم تجارة لقريش فيها جلود وزبيب ونحوها مما كانت تتجر بها قريش .

عند ذلك أخذ الصحابة يتشاورون فيما بينهم وكان اليوم آخر يوم من الأشهر الحرم فقالوا : إن قتلناهم فإنما نقتلهم فى الشهر الحرام وفى ذلك ما فيه من إهدار حرمة هذا الشهر والتعرض لسخط العرب جميعا وإن أمهلناهم حتى ينقضى هذا اليوم دخلوا فى أرض الحرم وأصبحوا فى مأمن منا .

وما زالوا يتشاورون حتى أجمعوا رأيهم على الوثوب عليهم وقتلهم وأخذ ما فى أيديهم غنيمة وفى لحظات قتلوا واحدا منهم وأسروا اثنين وفر الرابع من أيديهم ، استاق عبد الله بن جحش وصحبه الأسيرين والعير متوجهين إلى المدينة فلما قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام ووقف على ما فعلوه استنكره أشد الاستنكار .

وقال لهم : والله ما أمرتكم بقتال وإنما أمرتكم أن تقفوا على أخبار قريش وأن ترصدوا حركتها ، وأوقف الأسيرين حتى ينظر فى أمرهما وأعرض عن العير فلم يأخذ منها شيئا ، عند ذلك سقط فى أيدى عبد الله بن جحش وأصحابه وأيقنوا أنهم هلكوا بمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد عليهم الأمر ضيقا أن إخوانهم من المسلمين طفقوا يكثرون عليهم من اللوم ويزورون أى ينحرفون عن طريقهم لأن لا يكلموهم كلما مروا بهم .

ويقولون : خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ازدادوا حرجا على حرج حين علموا أن قريشا اتخذت من هذه الحادثة ذريعة للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تقول : إن محمدا قد استحل الشهر الحرام فسفك فيه الدم وأخذ المال وأسر الرجال ، فلا تسل عن مبلغ حزن عبد الله بن جحش وأصحابه على ما وقع منهم ولا عن خجلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوقعوه من الحرج .

ولما اشتد عليهم الكرب وثقل عليهم البلاء جاءهم البشير يبشرهم بأن الله قد رضى عن صنيعهم وأنه أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم فى ذلك قرآنا فلا تسل عن مدى فرحتهم وقد طفق الناس يقبلون عليهم معانقين مبشرين مهنئين وهم يتلون ما نزل فى عملهم من قرآن مجيد .

فلقد نزل على النبى صلى الله عليه وسلم قول الله علت كلمته (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)

فلما نزلت الآيات الكريمات طابت نفس الرسول الكريم صلوات الله عليه فأخذ العير وفدى الأسيرين ورضى عن صنيعهم إذ كانت غزوتهم هذه حدثا كبيرا فى حياة المسلمين فغنيمتها أول غنيمة أخذت فى الإسلام وقتيلها أول مشرك أراك المسلمون دمه وأسيراها أول أسيرين وقعا فى أيدى المسلمين ورايتها أول راية عقدتها يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأميرها عبد الله بن جحش أول من دعى بأمير المؤمنين .

ثم كانت بدر فأبلى فيها عبد الله بن جحش من كريم البلاء ما يليق بإيمانه ،ثم جائت أحد فكان لعبد الله بن جحش وصاحبه سعد بن أبى وقاص معها قصة لا تنسى فلنترك الكلام لسعد ليروى لنا قصته وقصة صاحبه .

قال سعد بن أبى وقاص : لما كانت أحد لقينى عبد الله بن جحش وقال : ألا تدعوا الله ؟ فقلت : بلى ، فخلونا فى ناحية فدعوت فقلت : يا رب إذا لقيت العدو فلقينى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أى غضبه ، أقاتله ويقاتلنى ثم يرزقنى الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه أى سلاحه فأمن عبد الله على دعائه .

ثم قال : اللهم ارزقنى رجلا شديدا حرده شديدا بأسه أقاتله فيك ويقاتلنى ثم يأخذنى فيجدع أنفى وأذنى فإذا لقيتك غدا قلت : فيما جدع أنفك وأذنك ؟ فأقول : فيك وفيك رسولك فتقول : صدقت .

قال سعد بن أبى وقاص : لقد كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتى ، فلما رأيته آخر النهار وقد قتل ومثل به وإن أنفه وأذنه لمعلقان على شجرة بخيط .

استجاب الله دعوة عبد الله بن جحش فأكرمه بالشهادة كما أكرم بها خاله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، فواراهما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم معا فى قبر واحد ودموعه الطاهرة تروى ثراهما المضمخ بطيوب الشهادة .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق