[the_ad id="40345"]
قصص دينيةقصص وعبر

قصة سعيد بن عامر الجمحى رجل اشترى الآخرة بالدنيا

نروى لكم قصة سعيد بن عامر الجمحى اليوم بمشيئة الله تعالى نسرد إلكم سيرة عطرة لصحابى جليل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قال عنه المؤرخون ( رجل اشترى الآخرة بالدنيا وآثر الله ورسوله على سواهما ).

قصة سعيد بن عامر الجمحى
قصة سعيد بن عامر الجمحى

كان الفتى سعيدبن عامر الجمحى واحدا من الآلاف المؤلفة الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم فى ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع ( خبيب بن عدى ) أحد أصحاب محمد بعد أن أظفروا به غدرا وقد مكن شباب سعيد الموفور وفتوته المتدفقة من أن يزاحم الناس بالمناكب حتى حاذى شيوخ قريش من أمثال أبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وغيرهما ممن يتصدرون الموكب وقد أتاح له ذلك أن يرى أسير قريش مكبلا بقيوده وأكف النساء والصبيان والشبان تدفعه إلى ساحة الموت دفعا لينتقموا من محمد فى شخصه وليثأروا لقتلاهم فى بدر بقتله ولما وصلت هذه الجموع الحاشدة بأسيرها إلى الماكن المعد لقتله ووقف الفتى سعيد بن عامر الجمحى بقامته الممدودة يطل على خبيب وهو يقدم إلى خشبة الصلب وسمع صوته الثابت الهادىء من خلال صياح النسوة والصبيان وهو يقول : إن شئتم أن تتركونى أركع ركعتين قبل مصرعى فافعلوا .

ثم نظر إليه وهو يستقبل القبلة ويصلى ركعتين يا لحسنهما ويا لتمامهما ثم يقبل على زعماء القوم وهو يقول : والله لولا أن تظنوا أنى أطلت الصلاة جزعا من الموت لاستكثرت من الصلاة .

ثم شهد قومه بعينى رأسه وهم يمثلون بخبيب حيا فيقطعون من جسده القطعة تلو القطعة وهم يقولون له : أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج فيقول والدماء تنزف منه : والله ما أحب أن أكون آمنا وادعا فى أهلى وولدى وأن محمدا يوخز بشوكة فيلوح الناس بأيديهم فى الفضاء ويتعالى صياحهم : أن اقتلوه  اقتلوه ثم أبصر سعيد بن عامر خبيبا يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب وهو يقول : اللهم احصهم عددا واقتتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وبه مالم يستطع أحد إحصائه من ضربات السيوف وطعنات الرماح .

عادت قريش إلى مكة ونسيت فى زحمة الأحداث الجسام خبيبا ومصرعه لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجمحى لم يغب خبيب عن خاطره لحظة كان يراه فى حلمه إذا نام ويراه بخياله وهو مستيقظ ويمثل أمامه وهو يصلى ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب ويسمع رنين صوته فى أذنيه وهو يدعو على قريش فيخشى أن تصعقه صاعقة أو تخر صخرة من السماء، ثم إن خبيبا علم سعيد مالم يكن يعلمه من قبل علمه أن الحياة الحقة عقيدة وجهاد فى سبيل العقيدة حتى الموت وعلمه أيضا أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب ويصنع المعجزات وعلمه أمرا آخر أن الرجل الذى يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبى مؤيد من السماء، عند ذلك شرح الله صدر سعيد بن عامر للإسلام فقام فى ملاء من الناس وأعلن برائته من آثام قريش وأوزارها وخلعه لأصنامها وأوثانها ودخوله فى دين الله .

هاجر سعيد بن عامر الجمحى إلى المدينة ولزم رسول الله صلوات الله عليه وشهد معه خيبر وما بعدها من الغزوات ولما انتقل النبى الكريم صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وهو راض عنه ظل من بعده سيفا مسلولا فى أيدى خليفتيه أبى بكر وعمر وعاش مثلا فريدا فذا للمؤمن الذى اشترى الآخرة بالدنيا وآثر مرضات الله وثوابه على سائر رغبات النفس وشهوات الجسد وكان خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لسعيد صدقه وتقواه ويستمعان إلى نصحه ويصيخان إلى قوله .

دخل على عمر بن الخطاب فى أول خلافته فقال : يا عمر أوصيك أن تخشى الله فى الناس ولا تخشى الناس فى الله وألا يخالف قولك فعلك فإن خير القول ما صدقه الفعل، يا عمر أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف فى الله لومة لائم .

فقال عمر : ومن يستطيع ذلك يا سعيد، فقال : يستطيعه رجل مثلك يا عمر ممن ولاهم الله أمر أمة محمد وليس بينه وبين الله أحد، عند ذلك دعا عمر سعيدا إلى مؤازرته وقال : إنا مولوك على أهل حمص فقال : يا عمر نشدتك الله ألا تفتننى فغضب عمر وقال : ويحكم هذا الأمر فى عنقى ثم تخليتم عنى والله لا أدعك ثم ولاه على حمص وقال : ألا نفرض لك رزقا .

قال : وما أفعل به يا أمير المؤمنين فإن عطائى من بيت المال يزيد عن حاجتى ثم مضى إلى حمص، وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص فقال لهم : اكتبوا لى أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم  فرفعوا كتابا فإذا فيه : فلان وفلان وسعيد بن عامر فقال : ومن سعيد بن عامر ! فقالوا : أميرنا قال : أميركم فقير ! قالوا : نعم ووالله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد فى بيته نار فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها فى صرة وقال : اقرؤوا عليه السلام منى وقولوا له : بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك .

جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا هى دنانير فجعل يبعدها عنه وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب فهبت زوجته مذعورة وقالت : ما شأنك يا سعيد ؟ أمات أمير المؤمنين، قال : بل أعظم من ذلك، قالت : أأصيب المسلمون فى وقعة، قال : بل أعظم من ذلك، قالت : وما أعظم من ذلك، قال : دخلت على الدنيا لتفسد آخرتى وحلت الفتنة فى بيتى قالت : تخلص منها وهى لا تدرى بأمر الدنانير شيئا، قال : أوتعينينى على ذلك قالت : نعم  فأخذ الدنانير فجعلها فى صرر ثم وزعها على فقراء المسلمين .

لم يمض على ذلك وقت طويل حتى أتى عمر بن الخطاب رضى الله عنه ديار الشام يتفقد أحوالها فلما نزل بحمص وكانت تدعى بالكويفة وهى تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة فلما نزل بها لقيه أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم . فشكوه إليه وذكروا أربعة من أفعاله كل واحد منها أعظم من الأخر . قال عمر : فجمعت بينه وبينهم ودعوت الله أن لا يخيب ظنى فيه فقد كنت عظيم الثقة به فلما أصبحوا عندى هم وأميرهم . قلت : ما تشكون من أميركم ؟ قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار فقلت : وما تقول فى ذلك يا سعيد ؟ فسكت قليلا ثم قال : والله إنى كنت أكره أن أقول ذلك أما إنه لا بد منه فإنه ليس لأهلى خادم فأقوم فى كل صباح فأعجن لهم عجينهم ثم أتريث قليلا حتى يختمر ثم أخبزه لهم ثم أتوضأ وأخرج للناس، قال عمر : وما تشكون منه أيضا ؟ قالوا : إنه لا يجيب أحدا بليل، قلت : وما تقول فى ذلك يا سعيد ؟ قال : إنى والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا .

فأنا قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قلت : وما تشكون منه أيضا، قالوا : إنه لا يخرج إلينا يوما فى الشهر ، قلت : وما هذا يا سعيد ؟ قال : ليس لى خادم يا أمير المؤمنين وليس عندى ثياب غير التى على فأنا أغسلها فى الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف ثم أخرج إليهم فى آخر النهار، ثم قلت : وما تشكون منه أيضا ؟ قالوا : تصيبه من حين لاخر غشية فيغيب عمن فى مجلسه، فقلت : وما هذا يا سعيد ؟ فقال : شهدت مصرع خبيب بن عدى وأنا مشرك ورأيت قريشا تقطع جسده وهى تقول له: أتحب أن يكون محمد مكانك .

فيقول : والله ما أحب أن أكون آمنا فى أهلى وولدى وأن محمدا تشوكه شوكة، وإنى والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أنى تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لى وأصابتنى تلك الغشية، عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذى لم يخيب ظنى به، ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته، فلما رأتها زوجته قالت له : الحمد لله الذى أغنانا عن خدمتك , اشتر لنا مؤنة واستأجر لنا خادما فقال لها : وهل لك فيما هو خير من ذلك ؟ قالت : وما ذاك ؟ قال : ندفعها إلى من يأتينا بها ونحن أحوج ما نكون إليها .

قالت : وما ذاك ؟ قال : نقرضها الله قرضا حسنا . قالت : نعم وجزيت خيرا . فما غادر مجلسه الذى هو فيه حتى جعل الدنانير فى صرر وقال لواحد من أهله : انطلق بها إلى أرملة فلان وإلى أيتام فلان وإلى مساكين فلان وإلى مغوزى آل فلان .

رضى الله عن سعيد بن عامر الجمحى فقد كان من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .

 

Mahmoud Farhat

محمود فرحات كاتب قصص أطفال تربوية، مشهور بأسلوبه البسيط، وقيمه الإيجابية، وشخصياته الجذابة. من أشهر أعماله العشرة المبشرون بالجنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى