التخطي إلى المحتوى

قصة ذو البجادين قصة دينية رائعة من اجمل قصص السيرة النبوية استمتعوا الآن معنا بقراءتها في هذا المقال من خلال موقعنا قصص واقعية، ننقلها لكم بقلم : يحيي بشار حاج يحيي وللمزيد يمكنكم زيارة قسم : قصص وعبر .

قصة ذو البجادين

اسمه عبد العزي، هكذا اسماه اهله ولم يكن يدري أول الامر ان اسمه يعني عبداً للصنم الذي يقدسه اهل الجاهلية .. عاش هذا الفتي حياته الاولي في قومه يتيماً فقيراً لا مال له، فقد مات ابوه ولم يترك له شيئاً يذكر ولكن عمه كفله واعتني به ولم يتخل عن مساعدته فأحس كانه لم يفقد اباه، وان اباه لم يزل حياً يتابع امره، ويسعي في حاجاته .. كبر الفتي وصار لديه مال وفير ولم ينس لعمه ما قدمه في سبيله فنشأ وفياً محباً له ، لا يقدم علي رأيه رأياً، وكان عمه فخوراً به يعتز بطاعته له .

وعاش الفتى في قبيلته التي تنزل في سفح جبل لايبعد كثيرا عن المدينة المنورة وكانت أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبار عداوة المشركين له، وانتصاراته عليهم تصل إلى القبيلة، ويسمعها الفتى، ويجد في نفسه رغبة شديدة للاستكثار منها، كما كانت أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدق والأمانة والشجاعة والوفاء تهز مشاعره، وتزيده إعجابا به. كانت الأيام تمر، والأخبار تتوالى لتصبح حديث المجالس في القبيلة وكان الفتى يجد نفسه متعاطفة مع  المسلمين، میالا إليهم، فقد فرح كثيرا حين بلغه نبأ هزيمة المشركين في بدر وحزن كثيرا حين سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم جرح في غزوة أحد، وأن عددا من أصحابه استشهدوا، ومن بينهم عمه حمزة ابن عبد المطلب. لم تعد نفس الفتی تحتمل هذه الحال، فهاهي ذي الأيام تمر، والمعارك بين المسلمين وأعدائهم تتوالى، والأخبار تنتقل عن إقبال الناس على الدخول في الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية كلها!!

وفي أحد الأيام أحس برغبة شديدة للخلاص مما هو فيه من انتظار، لقد سئم هذا الاسم عبد العزی» فیکف يكون عبدا لحجر؟! وازداد كرهه للأصنام، ونفر قلبه من عبادها واشمأزت نفسه من الذين يقدسونها؟!! فكر الفتي طويلاً ومرت عليه الساعات وهو في ظل صخرة يتأمل الشمس وغروبها والجبال وارتفاعها وجمال الكون وتناسقه العجيب، فردد في نفسه ما اجمل هذه المخلوقات وما اعظم الله الذي خلقها ! لقد عزم أكثر من مرة علي الدخول في الاسلام ولكنه كان في كل مرة  يحسب لعمه حساباً فهو لا يريد أن يغضبه وقد رباه ولا يريد أن يزعجه وقد اطاعه ولكنه في هذه المرة لا يستطيع أن يستمر في طاعته ورضاه ، فطاعة الله الذي خلقه وأوجده أولي من طاعة عمه، ولا يستطيع أن يستمر في حرمان نفسه من نعمة الاسلام، وليس بينه وبينها سوي ان يتوجه الي المدينة ويعلن اسلامه بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم .

ما أصعبها من لحظات! وما أشدها؟ ولكن عزيمته في هذه المرة جعلته يحس أن الأمر وصل إلى منتهاه، وأنه لابد من وضع حد لما يعاني منها توجه الفتى في اليوم التالي إلى منزل عمه في وقت لايكون معه أحد، سلم عليه، وأكب عليه يعانقه، ورحب العم به، وأشعره كما في كل مرة يلقاه فيها بأنه حبيب الى قلبه، قريب من نفسه.

ومرت لحظات من الصمت، وعمه ينظر إليه، وهو مطرق رفع الفتی رأسه وقال في صوت منخفض ياعم لقد مر على وقت طويل وأنا أنتظر إسلامك، فإن كنت لاتريد محمدا فأذن لي في الإسلام. قال الفتى هذه الكلمات وكان قلبه هو الذي يتحدث لا لسانه ولكن جواب العم لم يكن كما يريد، ولم يكن أيضا كما يتوقع. فقد أحمر وجهه، وانتفض كمن لدغته أفعی، وانفجر غاضبا وقال: والله لئن اتبعت محمد لا أترك بيدك شيئا كنت قد أعطيته لك، ولأنزعنه منك فتقعد فقيرا محتاجا، ليس في يدك شئ ثم مد يده بقسوة الي صدره وشد ثوبه بعنف وقال : لا اترك لك شيئاً حتي هذان الثوبان اللذان تلبسهما سوف اسلبهما منك، فاخترك لنفسك اما ان تصبح فقيراً لتكون مع محمد وتعبد ربه واما ان تبقي غنياً مع عمك وتعبد آلهة آبائك واجدادك .

لم يكن الفتي يحتاج الي وقت ليفكر فيه، ويختار أحدا الأمرين، فهو قد عزم من قبل على الإسلام ، وأحس بالخسارة الكبيرة التي لحقت به بسبب تأخره عن الدخول فيه. فقال في ثبات وجرأة: أما أنا فإنني -والله- متبع محمدة، وتارك عبادة الحجر، فخذ ما أعطيتني ولم ينتظر العم الغاضب طويلا حتی جرده من كل ماله، ولم يبق على الفتى إلا ثوباه، فنزعمهما عنه، وهو يقول: وهذا الثوبان اللذان تلبسهما هما من مالي الذي أعطيته .

أحسن الفتى في اللحظة التي جرده عمه فيها من ماله، كأن حملا ثقيلا قد نزل من كتفيه، وفي اللحظة التي نزع فيها العم ثوبيه عنه كأن ثياب العبودية لغير الله قد نزعت عنه أيضا؟!! وأن حواجز كثيرة قد سقطت من أمامه، وأن الطريق الى المدينة المنورة قد اختصر، فصار أقصر مما كان!! فدخل على أمه فرحا مستبشرة، وحدثها بما كان بينه وبين عمه، فقامت وأحضرت له کساء غليظا يسمونه «البجاد»  فكسته به، فانطلق الي رسول الله صلي الله عليه وسلم ولما اقترب من المدينة شق البجاد فشد قسماً علي خصره ورد القسم الآخر علي كتفيه .

ودخل المسجد قبيل الفجر وحضر الرسول صلي الله عليه وسلم بعد انقضاء الصلاة تفقد النبي عليه الصلاة والسلام الحاضرين كما كان يفعل فرأى شابة غريبة لم يره من قبل؟!  فقال له : من أنت؟ قال الفتى: سماني أهلي «عبد العزی» وجئتك مسلما.. وقص عليه قصته مع عمه، وكيف نزع ثوبيه عنه، وأمر البجاد الذي شقه إلى قطعتين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت عبد الله، ذو البجادين سر الفتي كثيرا، وقال في نفسه: لقد كنت أحس من قبل بأنني عبدالله، ولا عبد العزى، منذ أن سمعت بخبرك يارسول الله! وفرح فرحا لايعادله فرح حين صار اسمه «عبد الله»، وأن الرسول هو الذي سماه به، وزاد فرحه حين طلب الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكون قريبا منه. ونزل عبد الله ضيفا على الرسول الكريم، فقرأ من القرآن الشيء الكثير، ومرت الأيام سعيدة بقربه من الرسول صلى الله عليه وسلم فلما خرج النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك الملاقاة الروم خرج معه، وقال: یارسول الله ادع لي بالشهادة في سبيل الله.

فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يده، وربط عليها قشرة شجرة، ودعا له بأن يحرم الله دمه على الكفار. فقال: ليس هذا أردت.. وقد أراد أن يدعو له الرسول الكريم أن يقتل وهو يقاتل الكافرين فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن المجاهد في سبيل الله لو أصابه مرض، فأدى إلى وفاته فهو شهيد، ولو سقط عن ظهر دابته فمات فهو شهيد!! وبقي عبد الله ذو البجادین أياما مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم وافاه الأجل. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وبلال رضي الله عنهم إلى دفنه وأنزله في قبره بيده، ولما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يده، وهو يقول: « اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه » فتمنى عبد الله بن مسعود أن يكون مكان ذي البجادين حين سمع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وكان قد أسلم قبله بخمسة عشر عاما.

التعليقات

اترك تعليقاً