قصص وعبر

قصة أبو أيوب الأنصارى الصحابى الجليل الذى أمر أن يدفن تحت أسوار القسطنطينية

اليوم بمشيئة الله تعالى نستكمل معكم قصص الأبطال وسيرة الأعلام وشمس من الشموس المضية ورجل قل أن تجد له نظير رجل إسمه خالد بن زيد النجارى وأعتقد أن قليل من يعرف هذا الإسم مع رجل دفن تحت أسوار القسطنطينية مع الصحابى الجليل أبو أيوب الأنصارى رضى الله عنه .

قصة أبو أيوب الأنصارى
قصة أبو أيوب الأنصارى

هذا الصحابى الجليل يدعى خالد بن زيد بن كليب من بنى النجار أما كنيته فأبو أيوب وأما نسبته فإلى الأنصار ، ومن منا معشر المسلمين لا يعرف أبا أيوب الأنصارى ؟ فقد رفع الله فى الخافِقَيْنِ ذكره وأعلى فى الأنام قدره حين اختار بيته من دون بيوت المسلمين جميعا لينزل فيه النبى الكريم صلى الله عليه وسلم لما حل فى المدينة مهاجرا وحسبه بذلك فخرا .

ولنزول الرسول صلوات الله عليه فى بيت أبى أيوب قصة يحلو تردادها ويلذ تكرارها ، ذلك أن النبى عليه الصلاة والسلام حين بلغ المدينة تلقته أفئدة أهلها بأكرم ما يتلقى به وافد وتطلعت إليه عيونهم تبثه شوق الحبيب إلى حبيبه وفتحوا له قلوبهم ليحل منها فى السويداء أى فى أعماق القلوب وأسرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل .

لكن الرسول صلوات الله عليه قضى فى قباء من ضواحى المدينة أياما أربعة بنى خلالها مسجده الذى هو أول مسجد أسس على التقوى ، ثم خرج منها راكبا ناقته فوقف سادات يثرب فى طريقها كل يريد أن يظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته وكانوا يعترضون الناقة سيدا إثر سيد ويقولون : أقم عندنا يا رسول الله فى العَدد والعُدد والمنعة أى القوة التى تمنع من يريده بسوء .

فيقول لهم : ( دعوها فإنها مأمورة ) ، وتظل الناقة تمضى إلى غايتها تتبعها العيون وتحف بها القلوب ، فإذا جازت منزلا حزن أهله وأصابهم اليأس بينما يشرق الأمل فى نفوس من يليهم ، وما زالت الناقة على حالها هذه والناس يمضون فى إثرها وهم يتلهفون شوقا لمعرفة السعيد المحظوظ حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبى أيوب الأنصارى وبركت فيه .

لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينزل عنها ، فما لبثت أن وثبت وانطلقت تمشى والرسول عليه السلام مرخ لها زمامها ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وبركت فى مركبها الأول ، عند ذلك غمرت الفرحة فؤاد أبى أيوب الأنصارى وبادرإلى رسول الله صلوات الله عليه يرحب به وحمل متاعه بين يديه وكأنما يحمل كنوز الدنيا كلها ومضى به إلى بيته .

كان منزل أبى أيوب يتألف من طبقة فوقها علية فأخلى العلية من متاعه ومتاع أهله لينزل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن النبى عليه الصلاة والسلام آثر عليها الطبقة السفلى فامتثل أبوأيوب لأمره وأنزله حيث أحب ، ولما أقبل الليل وأوى الرسول صلوات الله عليه إلى فراشه .

صعد أبو أيوب وزوجته إلى العلية وما إن أغلقا عليهما بابها حتى التفت أبوأيوب إلى زوجته وقال : ويحك ماذا صنعنا ؟ أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ونحن أعلى منه ! أنمشى فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ! أنصير بين النبى والوحى ! إنا إذا لهالكون ، وسقط فى أيدى الزوجين وهما لا يدريان ولم تسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العلية الذى لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط .

فلما أصبح أبو أيوب قال للنبى عليه الصلاة والسلام : والله ما أُغمض لنا جفن فى هذه الليلة لا أنا ولا أم أيوب فقال عليه الصلاة والسلام : ( ومم ذاك يا أبا أيوب ) قال : ذكرت أنى على ظهر بيت أنت تحته وأنى إذا تحركت تناثر عليك الغبار فأذاك ، ثم إنى غدوت بينك وبين الوحي ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : ( هون عليك يا أبا أيوب إنه أرفق بنا أن نكون فى الأسفل لكثرة من يغشانا من الناس ) .

قال أبو أيوب : فامتثلت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت لنا جرة وأريق ماؤها فى العلية فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب وليس لدينا إلا قطيفة كنا نتخذها لحافا وجعلنا ننشف بها الماء خوفا من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الصباح غدوت إلى رسول الله صلوات الله عليه وقلت : بأبى أنت وأمى إنى أكره أن أكون فوقك وأن تكون أسفل منى ، ثم قصصت عليه خبر الجرة فاستجاب لى ، وصعد إلى العلية ونزلت أنا وأم أيوب إلى الأسفل .

أقام النبى عليه الصلاة والسلام فى بيت أبى أيوب نحوا من سبعة أشهر حتى تم بناء مسجده فى الأرض الخلاء التى بركت فيها الناقة فانتقل إلى الحجرات التى أقيمت حول المسجد له ولأزواجه فغدا جارا لأبى أيوب أكرم بهما من متجاورين ، أحب أبى أيوب رسول الله صلوات الله عليه حبا ملك عليه قلبه ولبه وأحب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبا أيوب حبا أزال الكلفة فيما بينه وبينه وجعله ينظر إلى بيت أبى أيوب كأنه بيته .

حدث بن عباس قال : خرج أبو بكر رضى الله عنه بالهاجرة أى فى منتصف النهار، إلى المسجد فرآه عمربن الخطاب رضى الله عنه فقال : يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟ قال : ما أخرجنى إلا ما أجد من شدة الجوع فقال عمر : وأنا والله ما أخرجنى غير ذلك ، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما أخرجكما هذه الساعة ؟ ) قالا : والله ما أخرجنا إلا ما نجده فى بطوننا من شدة الجوع .

قال عليه السلام : ( وأنا والذى نفسى بيده ما أخرجنى غير ذلك ، قوما معى ) ، فانطلقوا فأتوا باب أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم طعاما فإذا أبطأ عنه ولم يأت إليه فى حينه أطعمه لأهله ، فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب وقالت : مرحبا بنبى الله ومن معه ، فقال لها النبى عليه الصلاة والسلام : أين أبو أيوب؟

فسمع أبو أيوب صوت النبى صلى الله عليه وسلم وكان يعمل فى نخل قريب له فأقبل يسرع وهو يقول : مرحبا برسول الله وبمن معه ثم أتبع قائلا : يا نبى الله ليس هذا بالوقت الذى تجىء فيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( صدقت ) ، ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فطع منه عذقا فيه تمر ورطب وبُسْرٌ  ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أردت أن تقطع هذا ، ألا جنيت لنا من تمره ) .

قال : يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره ولأذبحن لك أيضا ، قال : ( إن ذبحت فلا تذبحن ذات لبن ) فأخذ أبو أيوب جديا فذبحه ثم قال لامرأته : اعجنى واخبزى لنا وأنت أعلم بالخبز ثم أخذ نصف الجدى فطبخه وعمد إلى نصف الجدى فشواه فلما نضج الطعام ووضِع بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أخذ الرسول قطعة من الجدى ووضعها فى رغيف وقال : ( يا أبا أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ) .

فلما أكلوا وشبعوا قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( خبز ولحم وتمر وبسر ورطب !!) ودمعت عيناه ثم قال : ( والذى نفسى بيده إن هذا هو النعيم الذى تسألون عنه يوم القيامة فإذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا : بسم الله ، فإذا شبعتم فقولوا : الحمد لله الذى هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل .

ثم نهض الرسول صلوات الله عليه وقال لأبى أيوب : ( ائتنا غدا ) وكان عليه الصلاة والسلام لا يصنع له أحد معروفا إلا أحب أن يجازيه عليه لكن أبا أيوب لم يسمع ذلك ، فقال له عمر رضوان الله عليه : إن النبى صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تأتيه غدا يا أبا أيوب ، فقال أبو أيوب : سمعا وطاعة لرسول الله ، فلما كان الغد ذهب أبو أيوب إلى النبى عليه الصلاة والسلام ، فأعطاه وليدة أى جارية صغيرة كانت تخدمه وقال له : ( استوص بها خيرا يا أبا أيوب فإنا لم نر منها إلا خيرا ما دامت عندنا ) .

عاد أبو أيوب إلى بيته ومعه الوليدة فلما رأتها أم أيوب ، قالت : لمن هذا يا أبا أيوب ؟ قال : لنا منحنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أعظم به من مانح وأكرم بها من منحة ، فقال : وقد أوصانا بها خيرا ، فقالت : وكيف نصنع بها حتى ننفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  فقال : والله لا أجد لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بها خيرا من أن أعتقها ، فقالت : هُدِيت إلى الصواب ، فأنت موفق ثم أعتقها .

هذه بعض صور حياة أبى أيوب الانصارى فى سِلمِهِ فلو أتيح لك أن تقف على بعض صور حياته فى حربه لرأيت عجبا فقد عاش أبو أيوب رضى الله عنه طول حياته غازيا حتى قيل : أنه لم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زمن معاوية إلا إذا كان منشغلا عنها بأخرى .

وكانت آخر غزواته ( القسطنطينية ) وكان أبو أيوب آن ذاك شيخا طاعنا فى السن يحبو نحو الثمانين من عمره فلم يمنعه ذلك من أن ينضوى تحت لواء ( يزيد ) وأن يمخُر غباب البحر أى يشق أمواج البحر غازيا فى سبيل الله ، لكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال .

فجاء يزيد ليعوده وسأله : ألك من حاجة يا أبا أيوب ؟ فقال : اقرأ عنى السلام على جنود المسلمين وقل لهم : يوصيكم أبو أيوب أن تُوغِلوا فى أرض العدو إلى أبعد غاية وأن تحملوه معكم وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية ولفظ أنفاسه الأخيرة ، استجاب جند المسلمين لرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكروا على جند العدو الكرة بعد الكرة حتى بلغوا أسوار القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم ، وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه .

رحم الله أبا أيوب الأنصارى فقد أبى إلا أن يموت على ظهور الجيادالصافنات غازيا فى سبيل الله وسنه تقارب الثمانين .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق